النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10969 الأحد 21 أبريل 2019 الموافق 16 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

صناعة الشتائم..!

رابط مختصر
العدد 10929 الثلاثاء 12 مارس 2019 الموافق 5 رجب 1440

فى إيطاليا، وتحديدًا في عام 2013، صدر كتاب فريد من نوعه لكونه يضم باقة منتقاة من الشتائم تزيد على خمسمائة شتيمة قيلت في حق سيليفو بيرلسكوني منذ احترافه السياسة وحتى توليه منصب رئيس وزراء إيطاليا..!!
الكتاب وعنوانه «بيرلسكوني.. أنا أكرهك..» لصحفي إيطالي اسمه لوكا اليساندرو، ولعل من بين أهم ما يتوجب ملاحظته والانتباه اليه أن هذا الكتاب صادر عن دار نشر يملكها بيرلسكوني نفسه، والأهم من ذلك أن مؤلف الكتاب لم يجد أحدًا يضايقه او يلاحقه او يأمر بفصله من العمل او يمنع كتابه او يقدمه للمحاكمة او المساءلة أيًا كان نوع هذه المساءلة، كما لم نجد بيرلسكوني نفسه يتهم الكاتب بأي تهمة من التهم، او بالتآمر عليه، ولم يظهر أحد محسوب عليه يطالب بإهدار دم الكاتب، او يدعو الى قمعه او قطع لسانه، او يطالب برفع دعوى قضائية عليه، او ممارسة أي نوع من
«البلطجة العلنية» على الرجل، ولا حتى تلك «البلطجة المتخفية» وراء جدران، كما لم يظهر من يطالب بتكميم الأفواه وقصف الأقلام، رغم قسوة الشتائم التي قيلت بحق بيرلسكوني في مناسبات مختلفة من سياسيين، ومعارضين، وأصحاب أعمال، وعمال ونقابيين، ومواطنين..!! فقط لأن هناك من يؤمن بأن من يتولى مسؤولية عامة عليه أن يتقبل النقد، وحتى الشتائم، لا يعتبرون ذلك خروجًا عن المألوف، او خروجًا على العادات والتقاليد والأعراف، او بأن من ينتقد او يشتم صاحبًا او أجندة، او... او... الى آخر القائمة..!
نتحدث عن الشتائم والشتَّامين بعد أن وجدنا كثر في بلدان عربية منهم، سياسيين وإعلاميين وغيرهم بما فيهم من يقدمون لنا بصفة رجال دين، وهم يتبادلون لغة الشتائم لتصغير او تحقير او تشويه او الحط من شأن خصومهم، وأصبحت هناك أيضاً منتديات تواصل اجتماعي، وحتى منابر صحفية وإعلامية وتلفزيونية ودينية في منطقتنا العربية تمتلئ بهؤلاء، تتنافس عليهم، تستقطبهم، تدفع لهم أموالاً طائلة، يشتمون، يلعنون، يخوِّنون، يكفِّرون، يُسقِّطون الخصوم السياسيين ومن يختلف معهم في الرؤى والمواقف، يرمون من يختلف معهم بالزندقة، يشوِّهون او يزوِّرون الحقائق ويفبركون، هذه هي المهام الموكلة اليهم، وأسوأ ما في هذا المشهد أن منهم من يفعل ذلك تحت شعارات وطنية، وقيم شريفة ونبيلة، ويدَّعون أنهم يفعلون ذلك بمسؤولية وضمير ودوافع وطنية خالصة، يفعلون ذلك بذريعة الدفاع عن الوطن، او الدين، او المبادئ، منهم من تحوَّل الى ذئاب مسعورة تنهش في كل من يخالفهم في رأي او موقف او مصلحة، ومنهم لاعبون على كل الحبال يفعلون ذلك بنيات ومقاصد انتهازية وتكسّب، وعلاوة على ذلك هناك من يقومون بالمهمة بغشومية وجهل وافتقاد لأي مسؤولية..
علينا أن نلاحظ أن هناك نجوم شتائم على الهواء باتوا من ركائز محطات تلفزيونية عربية، يبحثون عن النجومية بأي ثمن، وفي سبيلها يقترفون ما لا يقبله المنطق، يمارسون لغة المشاغبة والتجريح والإساءة وانتقاص الآخرين بذريعة الحوار والتحاور فيما هم في الواقع تجار شتائم، يقبضون نظير شتائمهم، ومنهم من لديه قدرة على طرح شتائم مبتكرة وكله له ثمن، لقد وجدنا مثل هذه الحالات ببرامج تلفزيونية في أكثر من محطة في أكثر من بلد، كان الحاضر الأقوى فيها هو الصوت العالي والصراخ والشتائم، بل وجدنا بعض المشاهد في بعض المحطات وفي برامج يفترض أنها حوارية تقاذفًا بالأحذية، وكأنها بطولات، ولكنها بطولات وهمية، والمؤسف أن هناك من يقوم بالتقبيح والشتم سعيًا وراء جذب أكبر قدر من المشاهدين او المستمعين، جعلوا السخافات وسرعة الانفعال والشتائم صناعة إعلامية، صناعة بائسة، والهدف الإعلانات وربما قبلها بعض المآرب او كليهما معاً..!!
هناك شتائم تطلق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، جعلها البعض منصات متخصصة في هذا الميدان، ووجدنا حسابات وهمية ينطلق منها أقذع الشتائم والسباب والتشهير والقدح و«الفبركات» والتهم الباطلة، من أسوأها وأخطرها تلك الهادفة الى الفرقة وإثارة النعرات الطائفية، بل تحولت الشتائم والكلمات النابية الى مفردات متداولة يوميًا في كثير من المواقع، وهنا يتوجب الانتباه والحيطة من محاولة من يريد أن يضفي على بعض الشتائم الفردية صفة التعبير العام، صوت الشارع، هذه بالتأكيد محاولات مضللة، وكم هو سيئ جدًا أن نجد من يدافع عن التطاول والسباب وإطلاق الشتائم بذريعة أنه يدافع عن حرية الرأي والتعبير، والأسوأ من كل ذلك حين وجدنا شتائم تم تقاذفها في مجالس برلمانية عربية، ووجدنا كيف تحوَّل بعض النواب فيها الى «بلطجية» ذاع صيتهم بالسباب والشتائم، كان معيبًا ذلك بقدر ما هو معيب أن تستخدم الشتائم لشد العصب الانتخابي في فترة الانتخابات البرلمانية من قبل بعض المرشحين الذين حوَّلوا المنافسة الى شتائم وتشهير وتشويش وسفاهات مبرمجة في السر والعلن، ألم يحدث ذلك عندنا، في البرلمان السابق وربما الذي قبله،
ورأينا في مشاهد لا تنسى كيف انشغل بعض النواب السابقين في الردح والشتائم فيما بين بعضهم البعض، كما رأينا في فترة الانتخابات ومن خلال بعض مواقع التواصل كيف تم تشويه صورة بعض المرشحين ووجهت لهم حزمة من الشتائم وكل ما يشوه صورة هؤلاء المرشحين أمام الناخبين.. !
بقي مهمًا التصدي بكل أوجه التصدي لهذه المشكلة، والاعتراف بوجود ما بات يُعرف بصناعة شتائم سواء تلك المجهولة الصنع او المعروفة المصدر، وقبل ذلك علينا أن نعي بأن عقلية النكران والمكابرة بوجود المشكلة، تحوِّل العيوب.... الى مصائب..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها