النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

منامة القصيبي

رابط مختصر
العدد 10929 الثلاثاء 12 مارس 2019 الموافق 5 رجب 1440

(.. ومضة واحدة في عمر الزمن ثم اختفى جمال عبدالناصر..)، عبارة عميقة وردَت على لسان (فؤاد الطارف) في رواية شقة الحرية يصف فيها لقاءه القصير والخاطف بالرئيس جمال عبدالناصر الذي كان شديد الحضور في رواية (غازي القصيبي) الأولى، فعن تلك القامة الحاضرة دوماً في المشهد الثقافي والفكري والأدبي العربي والخليجي، وبعيداً عن السياسة والشأن الخليجي والعلاقات الإقليمية والدولية سيكون مقالي اليوم.
فشخصية (غازي القصيبي) شخصية فريدة من نوعها، فما بين (الأحساء) التي شهدت ميلاده، وبين (المنامة) التي احتضنت مشوار دراسته الابتدائية وحتى الثانوية، وبين (القاهرة) التي شهدت سنوات دراسته الجامعية وكانت (غنية بلا حدود) كما وصفها، و(الولايات المتحدة الأمريكية) التي استكمل فيها دراساته العُليا ومارسَ فيها أول منصب إداري بترؤسه (جمعية الطلاب العرب)، وما بين المناصب الأكاديمية والإدارية والحكومية والدبلوماسية المتعدِّدة التي شغلها طوال حياته، والنجاحات الباهرة التي حقَّقها، تشكَّلت شخصيته الاستثنائية بكل المقاييس.
لقد ترعرع غازي القصيبي على أرض البحرين، وعاش في فرجانها ودواعيسها وأحبَّ أهلها، ففي قلب المنامة وفي فريج الفاضل تحديداً عاش القصيبي وكوَّن صداقات متينة مع أبناء ذلك الفريج التاريخي الذي جمع عدداً من العوائل البحرينية الكبيرة منها (الفاضل، الحمر، المؤيد، كانو، الزامل، الزين، السعد، يتيم، أحمدي، النجادة، القصيبي، القصير، البسَّام، القاضي، وزين الدين)، وعمل سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى البحرين برغبته بعد أن تقلَّد عدداً من المناصب الوزارية في الرياض، فعاد إلى البحرين حاملاً ذكريات حب وأشواق بعد أن أضناه الفراق وأتعبه الهجر والبعد عن الأصدقاء الذين أحبهم وتحاور معهم على صفحات الجرائد والمجلات، ونظَّم الشعر حباً في البحرين، وكتب كلمات عشق لهذه الأرض خلَّدها الزمن على صفحات تاريخ الخليج العربي في فترة كانت زاخرة بحركة أدبية وفكرية متطورة جعلت من البحرين رائدة وقبلة للأدباء والشعراء والكتاب والموسيقيين والفنانين.
وعن ذكرياتي مع (غازي بن عبدالرحمن القصيبي) أكتب مقال اليوم، فهذا الأديب والشاعر والأكاديمي والإداري والسفير عرفتهُ من خلال كتاباته وأشعاره التي كنتُ مولعاً بها منذ الصغر، وأعددتُ برنامجاً أدبياً للإذاعة باسم (قصة كتاب)، وكان هو أحد ضيوفه عن روايته (شقة الحرية)، وأجريتُ مقابلتي معه عبر الهاتف وهو في مكتبه في السفارة السعودية في لندن، وتحدثنا طويلاً عن تلك الرواية التي كانت بمثابة شهادة ميلاد (الروائي غازي القصيبي) واعتبرها المفكِّر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري (هدية الخليج والجزيرة العربية إلى الثقافة العربية)، لما عكسته شخصياتها من حالة مَرَّ بها الشباب العربي من عام (1948م) حتى (1967م)، وهي فترة تاريخية زاخرة بالتيارات الفكرية والسياسية المتعددة، شهدت ثورة الضباط الأحرار في مصر وانقلابات على الملكية في مصر وسوريا والعراق واليمن.
لقد سَرَد القصيبي كل تلك الأحداث الغزيرة والمفصلية في تاريخ الوطن العربي الحديث بأسلوب ممتع وجاذب ووثّقها بدقة عالية وضمَّن سطور الرواية معلومات سياسية وتاريخية واجتماعية مهمة تؤرِّخ أهم المراحل التي كان العالم العربي يموج خلالها بتيارات سياسية عاصفة كنظام البعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق، والنظام الشيوعي في اليمن الجنوبي، والنظام القومي العربي الناصري في مصر، وما أدت إليه من انهيار للأنظمة الملكية في مصر والعراق واليمن وولادة أنظمة جمهورية جديدة، إلى جانب قيادات قادت الأمة العربية حتى تمّ اقتلاعها عنوةً خلال ثورات ما يسمَّى بالربيع العربي، التي خُطط لها أن تكون تصحيحاً غربياً أمريكياً جديداً لمسار الأنظمة الانقلابية في الستينيات التي دعمتها الإمبريالية الغربية والأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية للقضاء على كل ما يتعلَّق بالتاريخ العثماني الذي حكم المنطقة العربية لقرون طويلة.
لقد عكست (شقة الحرية) الواقع العربي بكل تفاصيله في فترة زخرت بالأيدولوجيات والتنظيمات والأحزاب السياسية والدينية والفكرية المتناقضة، فكان من الطبيعي أن تسلَك شخصيات الرواية طرقاً وتوجهات مختلفة، وتعيش هموم الشارع العربي وطموحاته وتناقضاته الذي تمثَّل في (الشيوعيين والاشتراكيين والرأسماليين والإسلاميين والبرجوازيين والإقطاعيين والبيروقراطيين والقوميين والبعثيين والناصريين والسُّنّة والشيعة والوجودية والماركسية والإخوان والتنظيمات السرية والعمل الحركي) وغيرها، فتضمَّنت الرواية أسماء شخصيات لها ثقلها السياسي والأدبي والفني مثل (جمال عبدالناصر، وطه حسين، وعباس العقَّاد، وأنيس منصور، وسليمان العيسى، ونازك الملائكة، وميشيل عفلَق، وجورج حبش، ومحمد عبدالوهاب، وغسان كنفاني، وكمال جنبلاط، والمشير عبدالحكيم عامر، وفريد الأطرش، وعبدالحليم حافظ، وصدام حسين).
تلك كانت ذكرياتي مع غازي القصيبي، الرجل الذي ألهمه حب البحرين نظم أجمل القصائد فيها، وعبَّر في كتابه (حياة في الإدارة) بأن (أسعد أيامه في البحرين هو يوم افتتاح جسر الملك فهد، الذي عاصر فكرته منذ بداياتها في السبعينيات حتى تنفيذها في عهد الملك فهد رحمه الله)، فألقى في يوم افتتاح الجسر بتاريخ (12 نوفمبر 1986م) أجمل قصائده وأكثرها إبداعاً في حب البحرين:
درب من العشق لا درب من الحجر
هذا الذي طار بالواحات للجزر
ساق الخيام الى الشطآن فانزلقت
عبر المياه شراع أبيض الخَفَر
ماذا أرى؟ زورق في الماء مندفع
أم أنه جملٌ ما ملَّ من سفر؟
وهذه أغنيات الغوص في أذني
أم الحداةُ شَدَوا بالشعرِ في السَحَرِ
واستيقظت نخلةٌ وَسنَى تُوَشوشُني
مَنْ طوَّقَ النخلَ بالأصداف والدُررِ؟
نسيتُ أين أنا إن الرياض هنا
مع المنامةِ مشغولانِ بالسمَرِ
أم هذه جدةٌ جاءت بأنجُمِهَا
أم المُحَرقُ زارتَنا معَ القَمَرِ
وهذه ضحكاتُ الفجرِ في الخُبرِ
أم الرفاعُ رنَت في موسمِ المطرِ..
رحم الله غازي القصيبي، الذي استحقَّ أن تُخلِّد المنامة ذكراه، وتتحوَّل إلى (منامة القصيبي) باحتضان بيته الذي سيقف شاهداً على مر الزمن على استثنائية هذا الرجل الذي هوى البحرين وهوته، كما ستظل أعماله الفكرية والأدبية من علامات التاريخ الخالدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها