النسخة الورقية
العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

ناصر.. وثورات التاريخ الحديث

رابط مختصر
العدد 10926 السبت 9 مارس 2019 الموافق 2 رجب 1440

 توقفت كثيرًا وأنا أشعر بحالة من الانبهار والسعادة والفخر خلال زيارتي لمحافظة أسوان في أقصي جنوب مصر الأسبوع قبل الماضي، مبعث كل هذه السعادة هو رؤيتي للسد العالي، هذا المشروع الضخم الذي بناه الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، فمثل هذه المشروعات لم يفكر فيها سوى زعيم كبير اسمه «ناصر»، فهو مفجر طاقات الثورة لدى الشعوب العربية والإفريقية واللاتينية، ولم تكن هناك مدينة في كل المدن التي أحبته وبكته يوم وفاته بدون شارع أو ميدان باسمه تخليدًا لذكراه العطرة، ويكفي أن أقول وفقًا لرواية صديق مصري إن رئيس مجلس الشعب المصري السابق فتحي سرور عندما ترشح لرئاسة البرلمان الدولي في آواخر التسعينيات من القرن الماضي نجح في تولي المنصب بفضل الأصوات الإفريقية، فالشعوب الإفريقية عن بكرة أبيها لا تزال تشعر بالامتنان لهذا الرجل لما قدمه لها من تحرير أوطان مغتصبة وليفتح لهم لاحقًا مجال التعليم في مصر.

وكما هو «ناصر» الإفريقي لم يغب أبدًا عن عقل العرب وقلوبهم، في القلب مثلما العقل، خاصة لدى الشعوب العربية التي ناصرها في ثوراتها ضد الاستعمار الفرنسي والبريطاني ليكتب لهم في نهاية المطاف كلمة «التحرير» ولتبدأ الدول نتيجة تحفيزه وخطبه النارية ضد الإمبريالية مرحلة البناء والتقدم، وأمامنا الجزائر التي أمد ثوارها الأحرار بكل وسائل السلاح والخطط والدعم المطلوب في المحافل الدولية، كذلك دعمه الثورة الليبية ودعمه للعراقيين، وهو الذي كان أول زعيم عربي يفكر في الوحدة العربية فكانت بين مصر وسوريا، ورغم عدم استمرارها سوى ثلاث سنوات فقط، إلا أنه يكتب لـ «ناصر» تفكيره في وحدة الشعوب ومناصرة الحق واستعادة الحقوق، كما كان لناصر باع طويل في مساعي الوحدة بين أكثر من دولة عربية، فكانت وحدة مصر والسودان وليبيا، ولا زلنا نتذكر أيادي ناصر وجعفر النميري ومعمر القذافي متشابكة أمام العالم. ولعل هذه الوحدة التي لم ترَ النور كثيرًا تذكرنا اليوم بموقف هذه الدول لو كانت هذه الوحدة استمرت، لكان السودان والوطن العربي يرفل في نعيم الغذاء الذي لم يعد سودان اليوم ينعم به بل ذهب عنه الخير ويمر بظروف اقتصادية صعبة وأصبح شعبه يقف طوابير طويلة في انتظار الخبز، والوضع في ليبيا ليس ببعيد عنا اليوم، فهي عبارة عن مناطق ممزقة وتخضع كل منطقة لزعيم وبرلمان وحكومة مستقلة وكأنها أكثر من ليبيا.

 إنه ناصر الذي سار في جنازته نحو 5 ملايين مصر بخلاف الذين توجهوا الى مصر من العرب على عجل لمشاهدة لحظات وداعه الأخيرة قبل أن يوارى التراب جسده، وهو ناصر الذي رغم نكسة 1967 استطاع بعد أقل من عامين من إعادة بناء قواته المسلحة، ليس هذا فقط بل شارك بالقوات في حرب الاستنزاف التي مهدت لنصر أكتوبر، وليتعلم ناصر من درس الهزيمة وعدم الاعتماد على الأصدقاء المقربين بل على الكفاءات، فكان لديه الدأب والقدرة على استيعاب الأخطاء ليتعلم منها ويبدأ مرحلة إعادة البناء، ونحن هنا لن نزايد على الحقيقة أو نجافيها إذا قلنا إن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها القوى الغربية ومنها بريطانيا وفرنسا ظلوا يحاربون عبد الناصر وكانت إسرائيل هي سلاحهم في هذه الحرب واستخدموها بكل ما لديهم من أسلحة وعتاد ضخمة لتركيعه، وفشلوا في مساعيهم هذه، وتحضرني هنا قصة رواها الصحفي الفرنسي إريك رولو حكي فيها أنه زار مصر عام 1964 لإجراء مقابلات مع عبد الناصر وكبار المسؤولين وقتها، ثم ذهب بعدها مباشرة الى إسرائيل فسأله قادتها وقتها: ماذا أبلغك عبد الناصر عنا وعن إسرائيل؟.. فكانت إجابة رولو مفاجأة للإسرائيليين الى درجة جعلتهم يترنحون أمامه من هول الصدمة، خاصة عندما أبلغهم إن عبد الناصر لا يفكر في إسرائيل مطلقًا وليست على باله أو عقله فهو فقط أمامه مهمة النهوض بمصر ويسير بها للأمام. ويقول إريك رولو إنه شعر بعدها بمناوشات إسرائيل بالقيادة المصرية بدعم من الدول الغربية والولايات المتحدة لتندلع بعدها حرب 1967. ونخرج من هذه الرواية كيف فكر الغرب وقد نجح في مسعاه في تأخير تقدم مصر ونهضتها وعرقلة مسيرة عبد الناصر لتحديث مصر ليضعها في مصاف الدول الكبرى، حيث كان قد بدأ نهضة صناعية وزراعية كبرى، ثم خطوته الجريئة بتحول تسليح مصر من السلاح الغربي الى السلاح السوفيتي وهي الخطوة التي استفزت بريطانيا وفرنسا وأمريكا.

 إنه «ناصر» زعيم الأمة الذي لم تغب عنه قضاياه بلاده والأمة العربية منذ حارب ضابطًا في حرب فلسطين وعانى من الأسر والإصابة ليفكر من مدينة الفالوجا الفلسطينية المحاصرة في شن ثورة كبرى في بلاده، ولازمته تلك الفكرة ولم تغادر تفكيره وعقله الى أن عاد الى مصر ليؤسس تنظيم الضباط الأحرار، وليعيش مرحلة نضالية جديدة وينفعل بما يجري في مصر وحولها من مستعمر مستبد ينهم خيرات البلاد ويحولها الى حكومته في لندن، وكان كل همه هو الإطاحة بالاستعمار سواء بالنضال السياسي أو المسلح من أجل الاستقلال والحرية، لينجح في مسعاه وقد ساعده الشعب المصري وقتها الذي وقف معه بكل قوة وكان خير سند له ولبقية الضباط الأحرار، لينهي احتلال بريطانيا لمصر منذ عام 1882، ولتكون ثورتا أحمد عرابي و1919 بزعامة سعد زغلول هي نبراسه في القضاء على الاحتلال البريطاني.

 ثم يقود ناصر المشروع العربي التحرري وإعادة بناء الهوية العربية وفق الوقائع والحقائق التاريخية الجديدة، ليتجاوز مشروعات الفتنة والتجزئة والحروب الأهلية، أو ما يمكن تسميتها «العروبة المضادة» وهم الذين وقفوا ضد مشروعه التحرري للعودة الى مكتسباتهم من وراء استمرار الاحتلال البريطاني والفرنسي. فكان يدرك أن مصير مصر عربيًا من الناحية السياسية، بما يعني أن لب دائرة العلاقات الخارجية لمصر هم العرب، حيث محيطها الإقليمي والأمن القومي الذي يكمل أمن مصر، ولم يكن ناصر مدفوعًا هنا بعواطفه القومية بل نتيجة لرؤيته المفضلة للجغرافيا التي أنتجت مكان ومكانة وموقع وموضع مصر.

 ولم يكن عبد الناصر بعيدًا عن مشروع محمد علي للنهوض بمصر واجتهد كثيرًا لاستكماله، فحقق نهضة صناعية وزراعية كما أسلفنا وتفرغ لإعادة بناء المواطن المصري ليكون شخصًا منتجًا في كافة المجالات، ليعوض غياب مشروع محمد علي، ولم يغب التاريخ عنه هنا إذ اقتنع تمامًا برؤية محمد علي الشمولية عندما وصل الجيش المصري الى وسط إفريقيا جنوبًا ووسط أوروبا وجنوب روسيا شمالاً، ليدرك وقتها أيضا أن محيط مصر ليس عربيًا وإفريقيا فقط وإنما يتسع المجال الجيوسياسي ليشمل دوائر جديدة مثل فعل وأسس منظمة عدم الانحياز وانبثق من داخلها مبدأ «الحياد الإيجابي».

 لقد تميز فكر ناصر بكونه فكرًا إستراتيجيًا سابقًا عهده، حيث رسم ملامح سياسة مصر الخارجية في إطار دوائرها العربية والإفريقية والإسلامية، فكل دولة عربية تدخل في محيط التوجه المصري من ناحية التاريخ والمصالح، كذلك لم تكن قارة إفريقيا بعيدة عن استراتيجيته ليقينه التام بأن أي صراع فيها أو عليها سيؤثر سلبًا على مصر وتقدمها، كذلك تمسكه بضرورة تقدم العالم الإسلامي وعدم تخلف دوله عن الركب لما يربطها جميعًا برباط الدين.

 كل هذا الكلام طرأ على عقلي أثناء زيارتي السد العالي، لأتذكر أن أي ثورة في العالم لا تأتي بعيدة عن فوران الشعور الوطني لدى الشعب، فكان ناصر قريبًا من شعبه ووطنه منذ حرب 1948 التي وضعت العرب في مأزق وسمحت بقيام كيان صهيوني سيكون شوكة في صدرهم لاحقًا، ومن هنا فكر ناصر في القيام بثورة شعبية تطيح بالطغيان والاحتلال وتدك معاقله وتهدم نظامه ليس في مصر وحدها بل في العالم أجمع. فبمجرد نجاح ثورة 23 يوليو في مصر كانت تباشير الإطاحة بعالم الاستعمار قد بدأت هنا وهناك وثارت الشعوب لتقضي على مستبديها وتؤسس دولاً مستقلة كان فكرعبد الناصر هو الملهم لها.

] كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها