النسخة الورقية
العدد 11177 الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

تشابك العلاقات والتحالفات الإقليمية

رابط مختصر
العدد 10922 الثلاثاء 5 مارس 2019 الموافق 28 جمادى الثاني 1440

اختلطت الأوراق في الشرق الأوسط بعد الأزمة القطرية، وأصبح المراقب لا يستوعب التحالفات القائمة بين (القوى الكبرى) في أكثر مناطق العالم أهمية وحساسية و(دول مجلس التعاون) من جانب، ومن الجانب الآخر العلاقات التي تربط دول منظومة (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) ذاتها، وهي المنظومة التي تُعَدّ ركيزة مهمة من ركائز الأمن والاستقرار في المنطقة وشكَّلت أكبر وأقوى كيان سياسي عربي منذ تأسيسها في (مايو 1981م)، واستطاعت حماية دولها والدفاع عن مصالحها وإنجازاتها وحماية سيادتها واستقلالها من الأطماع الخارجية وخاصة إيران التي كانت ولا تزال تعمل على تفكيك المجتمعات الخليجية من الداخل بإشعال نار الفتنة الطائفية، والتدخل في الشؤون الداخلية لخلق حالة من عدم الاستقرار باستخدام الشعارات البراقة التي تدغدغ مشاعر الدول الأوروبية كمظلومية المواطنين الخليجيين الشيعة، والمطالبة بحماية حقوق الإنسان، وتطبيق النظام الديمقراطي، وحرية الرأي والتعبير المفقودة أصلاً في إيران.

ولضبابية التحالفات القائمة بين (القوى الكبرى) و(دول مجلس التعاون) صور متعدِّدة أهمها:

أولاً: العلاقات الأمريكية السعودية: ففي الوقت الذي يدفع (البيت الأبيض) بهذه العلاقات إلى أعلى درجات التفاهم والانسجام في المواقف السياسية والنفطية تحديداً، نجد (الكونجرس) ذا الأغلبية الديمقراطية يبحث عن كيفية عرقلة صفقات أسلحة ببلايين الدولارات لها تأثيراتها  الإيجابية في الحد من البطالة في الداخل الأمريكي، حيث قام الكونجرس باستغلال قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي لابتزاز السعودية سياسياً، والضرب بعرض الحائط الأضرار الفادحة التي ستنعكس من ذلك على المصالح الأمريكية الداخلية والعلاقات الاستراتيجية والاقتصادية والنفطية التاريخية بين البلدين، دون استيعاب للدور الأساسي للمملكة العربية السعودية التي استطاعت في (23 مايو 2017م) جَمع (72) دولة تحت سقف واحد لعقد ثلاث قمم هي: (الأمريكية السعودية) و(الخليجية الأمريكية) و(العربية الإسلامية الأمريكية)، والتي أسفرت عن نتائج إيجابية جداً على مستوى العلاقات (السعودية الأمريكية) من جانب، والعلاقات (العربية الأمريكية) من جانب آخر، ودلَّت جميعها على أن الشراكة (السعودية الأمريكية) تتجاوز التجارة والاقتصاد والاستثمار إلى محاربة الإرهاب والتطرف ومواجهة العنف والأفكار التي تغذيه والدول التي تموّله، ودون إدراك بأن السعودية هي العمود الفقري للتحالف العسكري الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة الأمريكية في صراعها ضد إيران، ولم يُدرك الكونجرس أيضاً أن السعودية هي الدولة الوحيدة التي تستطيع التحكّم بأسعار النفط بالتنسيق والاتفاق مع الولايات المتحدة للمحافظة على استقرار أسعاره وبالتالي استمرار انتعاش الاقتصاد الأمريكي والعالمي، إلا أن الصراع القائم بين الديمقراطيين وترامب أعمى أعين الديمقراطيين الذين يسعون لتحقيق مصالحهم الحزبية بالإطاحة بترامب قبل انتهاء فترة ولايته أو تشويه سمعته لإفشال ترشحه لفترة رئاسية ثانية.

ثانياً: العلاقات الأمريكية القطرية: في الوقت الذي تعزَّزت فيه (العلاقات الأمريكية السعودية) خاصة بعد اختيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرياض كأول محطة خارجية له في (مايو 2017م) بعد مرور مائة يوم على دخوله البيت الأبيض، والتي تُعَدّ زيارة تاريخية ومهمة بكل المقاييس أراد ترامب من خلالها توجيه رسالة مهمة للعالم مفادها أن السعودية هي الشريك التاريخي والاستراتيجي لبلاده، نجد أن الأمريكان اتخذوا من (الدوحة) مقراً لمفاوضات السلام بينهم وبين طالبان، رغم علمهم بعلاقات الصداقة القائمة بين الدوحة وطهران التي تعتبر الراعي الأكبر للإرهاب في العالم، والذي تحاربه الولايات المتحدة وحلفاؤها اقتصادياً، وتعمل على تقويضه سياسياً وعسكرياً خصوصاً بعد مؤتمر (وارسو) في فبراير الماضي الذي ركَّز على تأثير إيران وإرهابها في المنطقة، وشكَّل تحالفاً دولياً ضدها من ضمن أعضائه دولة قطر !! فأليس ذلك أمراً محيراً؟

ثالثاً: العلاقات الخليجية الخليجية: التي تشهد منذ تفجّر الأزمة القطرية في (5 يونيو 2017م) حالة غير مسبوقة من التوتر والجفاء زادها قسوة الحملات الإعلامية الشرسة التي تبارت في بثّ روح الكراهية والحقد في قلوب الشعوب دون اكتراث للعلاقات الأخوية والأسرية والقبلية التي تربطها، ودون أدنى اعتبار للجوار الجغرافي والعلاقات السياسية الاقتصادية المتينة بين دول مجلس التعاون التي تم تأطيرها منذ تأسيس المجلس في مبدأين مهمين هما (الوضوح والاحترام المتبادل، واحترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية)، ورغم ذلك فقد لجأت الأطراف الخليجية إلى استقطاب القوى الإقليمية والدولية كلٌ بطريقته، ما أدى إلى حالة من الفوضى السياسية والغموض والتعقيد، ففي الوقت الذي ضغطت فيه (الدول الخليجية الثلاث) على قطر من أجل تنفيذ شروط حل الأزمة، بحثت (قطر) عن مخارج وحلول لأزمتها خارج إطار المنظومة الخليجية لأسباب لا يمكن تفسيرها إلا بالتشجيع والدعم الأمريكي من خلف الكواليس، فقامت بشكل غريب بتعزيز علاقاتها العسكرية والأمنية مع تركيا وإيران رغم وجود (قاعدة العديد الأمريكية) على أرض الدوحة، ورَسَمَت استراتيجية جديدة مع هاتين الدولتين تؤمِّن بها مصالحها الأمنية وتدعم مواقفها ضد شقيقاتها دول مجلس التعاون، ليُدخل هذا التطور الغريب في شكله ومضمونه الأزمة في نفق التعقيد ويزيد من التباعد والفُرقة بين الأشقاء، فتوقفت جميع أنشطة المجلس عدى تلك المتعلِّقة بالتعاون العسكري الذي تمَّ الاتفاق على استمراره بعد الاجتماع الذي جمَع رؤساء أركان دول المجلس بدولة الكويت في (ديسمبر 2018م) وناقش سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين القوات المسلَّحة الخليجية للنهوض بالعمل العسكري الخليجي الموحَّد، والاجتماع الذي عُقد في ذات الوقت والمكان بين رؤساء أركان دول المجلس ورئيسي أركان جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، إضافة إلى القيادة المركزية للجيش الأمريكي، وناقش تفعيل آلية العمل المشترك بين الدول المُجتمعة ومحاربة الإرهاب والتطرف ومواجهة التحديات المختلفة لضمان أمن واستقرار المنطقة، وبحثَ سبل وقف التمدّد الإيراني وإنهاء وجوده في سوريا والعراق واليمن، في إطار التحالف العربي الأمريكي ضد الأطماع والتهديدات الإيرانية، وعليه فإن هذا الاجتماع شكَّل في حد ذاته تعاوناً غريباً بين الدول الخليجية والولايات المتحدة في ظل الأزمة الطاحنة التي تعصف بدول المجلس وأثار استغراب وحيرة الشعوب الخليجية.

خلاصة الأمر، أن تشابك تلك العلاقات والتحالفات الإقليمية في المنطقة تجاوز حدود الإدراك، ووصل إلى درجة معقَّدة جداً يصعب معها التفكيك والتحليل والقياس، وستستمر إلى مزيدٍ من التعقيد طالما أنها تحقّق المصالح الأمريكية الآنية في المنطقة، وستظل الشعوب الخليجية في حيرة وذهول أمام ما تراه من تناقض يصعب تفسيره، وسيبقى الحلم الخليجي المشروع هو إنهاء الأزمة القطرية المنهكة، والذي يصعب توقعه في المدى المنظور لسببٍ بسيط وهو أن قرار الحل -وبكل أسف- في واشنطن!

 

 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها