النسخة الورقية
العدد 11116 الأحد 15 سبتمبر 2019 الموافق 16 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

مصر جوهرة العرب (2)

رابط مختصر
العدد 10919 السبت 2 مارس 2019 الموافق 25 جمادى الثاني 1440

من الصعب تحديد كل مزايا مصر في حيز صغير، لكن هذا لا يمنع أن نستعيد بعض إنجازاتها التي تركت آثارها الإيجابية على حياتنا، ولا تعرف الأجيال العربية الجديدة إلا القليل منها، وهي آثار بالغة الأهمية لم تقتصر على مجال محدود أو محدد، بل تغطي مساحة واسعة من الفكر والثقافة والتعليم والآداب والفنون، حتى أصبحت مصر هي مركز التنوير والتقدم العربي. وكانت هناك دعوات  لفصل مصر عن الكيان العربي، إثرالخلافات العربية التي بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي. استغل أعداء العرب هذه الفجوة الطارئة، فأضافوا الزيت على النار، ونمت إثرها النعرات الإقليمية التي قسمت الوطن العربي الى أقاليم راحت تتغنى بإقليميتها وإنعزالها ما أضعف الشعور القومي الذي تكرس في الحقبة الناصرية. 

كان انحسار الشعور القومي مؤلمًا للطلائع القومية بما فيهم المثقفون الذين كانوا يعرفون تداعيات هذه المواقف وأخطارها على تقسيم الشعوب العربية. وكانت الثقافة كعادتها في تلك الفترة توحد العرب وهي الرباط الدائم حين تتفكك الروابط الأخرى، لكن محاولات التقسيم فشلت، ذلك أن الروح القومية بين العرب عميقة وراسخة عبر قرون من التلاحم ووحدة المصير. 

ثم هناك أهمية مصر كدولةٍ محوريةٍ وهامة قادت العرب في ظروف صعبة. في العصر الحديث، تحديدًا في القرن العشرين، خاضت مصر أربعة حروب قومية مع إسرائيل، في أعوام 1948 و1956 و1967و1973. جاءت الحرب الأولى إثر استيلاء اليهود على فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني. وكما هو مثبت تاريخيًا فالانتداب البريطاني وفرَّ لليهود الفرصة ومدهم بالسلاح، واستخدم تأثيره على الدول العربية التي كانت تحت سيطرته، لإنجاز أهداف اليهود، ولزرع كيان شاذ في الجسد العربي، وبدافع الشعور بالذنب إثر اضطهاد اليهود في الغرب وبخاصة في ألمانيا. لم تحتمل الدول العربية هذا الحدث الصاعق، فدخلت مصر وسوريا ودول عربية أخرى بجيوشها في حرب خسرتها بفعل التفكك والانقسام، إذ لم يكن لديهم هدف مشترك، بالإضافة الى التنسيق السيىء، وأضف الى ذلك المساعدات الأمريكية والغربية غير المحدودة لليهود. 

وكانت أمريكا هي أول دولة تعترف بالكيان الإسرائيلي وبعد وقت قصير من إعلان قيامه. وكانت مصر في هذه الحرب تشكل الثقل الأكبر، ولذلك فخسارتها البشرية والمادية كانت أكبر. الذين قاتلوا في حرب 48 من الجيش المصري وعلى رأسهم اليوزباشي جمال عبد الناصر، اكتشفوا أن العدو الذي في الداخل لا يقل خطورة عن العدو الخارجي، وبالتالي كان هدف العائدين من الحرب تغيير النظام السياسي في الداخل. وهكذا كان انقلاب الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر في العام 1952 الذي راح يجهز لحرب ثانية ضد إسرائيل تستعيد الأراضي العربية السليبة. 

وضع عبدالناصر هم استعادة فلسطين في مقدمة اهتماماته، وأعطاه الأولوية فقام بتسليح الجيش المصري وإعداده للحرب، لكن العدو الإسرائيلي كان يبيت النية ليباغت مصر بالهجوم قبل أن تبدأ هي، وتوافقت أهداف إسرائيل في هذه الفترة مع خسائر فرنسا من تأميم قناة السويس، كما التقت معهم بريطانيا التي كان يهدد عبد الناصر مصالحها في الشرق الأوسط، فكان العدوان الثلاثي المشترك فيما سمي بحرب السويس في العام 1956. اشتركت هذه البلدان الثلاث مجتمعة في حرب واحدة ولكل منهم أهدافه المنفردة، وأهدافه المشتركة بالقضاء على النظام الناصري الذي يهددهم ويقوض مصالحهم الاستعمارية في المنطقة. 

لم تتخلَ مصر عن واجبها القومي رغم الخسائر والتضحيات التي قدمتها في هذه الحرب الثانية، فراح عبد الناصر يعد الجيش ليخوض حربًا ثالثة يستعيد بها الأراضي العربية السليبة. ورفض عبدالناصر دعوات المصالحة المهينة، لكن إسرائيل أرادت أن تباغت مصر لتكسب الحرب الثالثة التي لا ريب فيها، فانتصرت في حرب لم تستمر إلا ستة أيام. وكانت خسائر هذه الحرب في الجانب المصري استشهاد وجرح ما بين 9800 و15000 شهيد وجريح. 

خسرت مصر في هذه الحرب شبابها وأموالها ومنشآتها وجزءًا كبيرًا من طيرانها وعتادها الحربي، لكن عبدالناصر لم ييأس، ولم يتراجع بعد خسائر هذه الحرب التي كلفت مصر الكثير، إذ كان  يعتبر القضية الفلسطينية هي أم القضايا العربية، ولا رجعة عن تحريرها، فعاد لتسليح الجيش لجولة رابعة، تمت في فترة الرئيس أنور السادات، فيما سمي بحرب إكتوبر 1973 والتي انتصر فيها الجيش المصري على إسرائيل واكتسح جدار بارليف الذي لا يخترق وتقدم ليستعيد الأراضي المصرية السليبة، ويعيد للعرب هيبتهم وكرامتهم المهدورة. 

لم تقتصر تضحيات مصر على حروب القضية الفلسطينية فقط، فكانت ما بين هذه الحروب القومية، تمد يد العون الى ثورة المليون شهيد في الجزائر. وتمد الثورة اليمنية بيد المساعدة. لقد خاضت مصر أربع حروب من أجل القضية العربية الأولى، ولا يمكننا تجاهل أثر هذه الحروب المدمر على الاقتصاد المصري. ويجب أن لا ننسى ونتجاهل هذه التضحيات التي قدمتها مصر من أجل العرب. ولا عجب إذن أن نحب مصر كما أحبت هي العرب، وأن يذوب العربي في هواها، فقد فاقت تضحياتها القومية للعرب كل تصور. وأفعاله وتاريخها يشهد على ذلك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها