النسخة الورقية
العدد 11062 الثلاثاء 23 يوليو 2019 الموافق 20 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:29AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

الاستشراق.. الجزيرة العربية في عيون الرَّحَّالة الغربيين (2 ـ 12)

رابط مختصر
العدد 10918 الجمعة 1 مارس 2019 الموافق 24 جمادى الثاني 1440

غاية الاستشراق:

 للاستشراق عناوين وأهداف مختلفة منها الاستكشافية والعلمية عبر مضمونها المعرفي والحضاري، وليس من الحكمة الرفض المطلق للاستشراق بصفته مجالاً لم يكن العلم فيه غير وسيلة ذات أبعاد وأهداف استعمارية، لذا أرسلت أوروبا الرّحّالين إلى الشّرق ليزوّدوها بمعلومات وأخبار عن تلك المناطق، وفي الغالب كانت أخبارًا مشوهة وغير صحيحة، فقد صورت الشعوب الشرقية متوحشة وكسولة وجبانة، وتحمل بغضًا متأصلاً ضد الغرب، لتكون ذريعة لاحتلال بلدانهم ونهب ثرواتهم، وتزيد في الوقت نفسه من تعميق ذلك الكره والعداوة في نفوس الشعوب الغربية تجاه العالم الإسلامي، والشعوب الشّرقية، وحتّى تجعل الشّرق وحشًا يتربص ويهدد الغرب، كان لا بدّ لها من أن تُلصق به صفات قبيحة وشرّيرة من أجل تبرير استعماره واضطهاد شعوبها.

روايات غربية عن الشرق:

 لقد حمل بعض المستشرقين روايات وأساطيرعن الشرق تبرز السّمات التي تجعل هذا الشّرق مختلفًا عن الغرب، وتجعله في المراتب الأدنى الذي لا صلاح له ولا يستحق الحياة، فمن بين الصِّفات القبيحة والشِّريرة التي وصف بها الشرق - عندما نقول الشرق نعني بصفة خاصة العرب - الأكثر استهدافًا، فقد وصفوه بالخمول والفسق والعنف وعدم القدرة على أن يحكم نفسه بنفسه، كل هذه الصفات جعلت للغرب الإمبريالي مبرّرات تسمح له بالتّدخل والتّحكم به، إذ تجعله يظهر وكأنه منقـذ الشّرق من الجهل والهمجية. 

 لقد كان لهؤلاء الرّحّالة النصيب الأوفـر في إبراز الصّورة المشوَّهة للعربي، كما كان لهم التأثير الكبير في زرع هذه الصّورة في الذهنية الغربية، فها هو الرّحّالة الإنجليزي (بورتون - السير ريتشارد فرانسيس برتون مستكشف ومستشرق وعسكري ومترجم إنجليزي (اشتهر من خلال ترجمته لحكايات ألف ليلة وليلة) يصف الهنود: «بأنّهم شعب كسول ولا مبالٍ، وقذر، ومدمن، ومعروف بجُبنه في أوقات الخطر، في حين أنّه يصبح وقحًا عندما لا يكون ثمّة ما يخشاه، وليس لديه أيّة فكرة عن الصدق»، ومن خلال تتبعنا للاستشراق نجد أن لهذه المؤسسة الاستشراقية أكثر من غاية تلتقي في أهدافها الاستعمارية، فهناك صورة الشَّرقي المَثار للسخرية ومدعاة للتّسلية والازدراء، لأنه ذليل دائما ومستسلم لمن هو أقوى منه، ومهما كانت أهدافها يجب ألا نتجاهل ما قدموه من كنوز المعرفة في التراث الإنساني الحضاري، وطبيعة الجزيرة العربية والخليج واليمن وجغرافيتها وبيئاتها الطبيعية، التي شملت جميع الكائنات الحية، والعناصر غير الحية، التي توجد في تلك المناطق، كذلك وصفوا الهواء والماء والمناخ، وشرح مستفيض لأنظمة الحكم، وعن الإنسان في قراءات عن مراحل تاريخية علمية مغيبة في ثقافتنا وفي مناهجنا الدراسية، وعن طبيعة هذه المناطق التي لم تعطَ الأهمية التي تستحقها، مما يضعنا أمام حقائق غريبة بين حضارتين غربية ناهضة مقابل حضارة شرقية نائمة على مدى التاريخ، لذا نحاول خلال هذه المقالات تسليط الضوء على تلك الرحلات التحليلية والنقدية. وهي خطوة في (علم الاستشراق) الغربي والتعرّف على كيفية تلقي الإنسان الغربي للحضارة العربية، وما هي الخطوات العملية التي حاولوا تطبيقها في الوسط الغربي بعد عودتهم. 

الجزيرة العربية محط أنظار الغرب: 

 إن مشاهداتهم وخطواتهم التطبيقية التي تلت رحلاتهم للشرق العربي، ساهمت في تطويرالوضع العلمي، ولا أحد ينكر الدور العظيم لبعض هؤلاء المستشرقين والرحالة من أمثال (غناطيوس جويدي)، (مستشرق إيطالي، عالم باللغة العربية والسريانية، ويتقن اللغة العربية إتقاناً تاماً، كما كان على علم بالعامية)، تعلَّم العربية في جامعة روما، وتولَّى تدريس العربية فيها، ودعته الجامعة المصرية لتدريس الأدب العربي، وله العديد من المؤلفات والبحوث في اللغة العربية وآدابها فيما قدمته المكتبة الجغرافية العربية، أما الرحالة الإسباني (دومنغو باديا لابلج) الذي زار مكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1807م، وكتب تقريراً مفصلاً عن أحوالها، وكان دومنغو قد تنكر بزي عربيٍ تحت اسم علي بك العباسي، واعتقد البعض أنه يعمل لمصلحة نابليون، أما روسيا فلم تغفل عن هذه المنطقة الحيوية، عندما أرسل القيصر الروسي الرحالة (هلترتش حاسبر سيتزن) الذي قام برحلة إلى الجزيرة العربية ودخل مكة المكرمة وحصل على لقب حاج، وذهب بعد ذلك إلى اليمن، حيث قُتل هناك في أواخر عام 1811م، ومن زاوية أخرى يمكن الاستدلال على جهد المؤسسة الاستشراقية في الكشف عن أوضاع مدن الجزيرة العربية التي زاروها في الفترات والحقب التاريخية المختلفة، حين أخذ المستشرقون الغربيون يصلون إلى جزيرة العرب. 

النساء المستشرقات: 

 لقد وصل عدد كبير من الرحالة النساء مثل: (الليدي افلين زينب كوبولد - مستشرقة اسكتلندية ولدت في ادنبره من أسرة ارستقراطية، اعتنقت الإسلام، وأدت فريضة الحج سنة 1933م)، ونشرت كتابًا عن أدائها للحج باسم (الحج إلى مكة) وغيرها، مثل (آن ماري شيمل): «مستشرقة ألمانية درست الإسلام وعشقت روحانيته»، كذلك (لورا فيشيا فاليري): «مستشرقة ايطالية عشقت اللغة العربية، ودافعت عن التراث العربي الإسلامي، وكان الاستشراق النسوي في أوروبا يزخر بالعديد من الأسماء النسائية البارزة في حقل الاستشراق، التي اختصت في الحضارة والتاريخ العربي الإسلامي، وقدمت إسهامات كبيرة يجب عدم تجاهلها، خاصة أنهن استطعن تدوين مرحلة تاريخية هامة، وفي بعض الأحوال دخول بعض المنازل، والالتقاء ببعض السيدات، والاختلاط بهن والتعرف إليهن، فكان من شأن هذا الانغماس أن يسمح بوفرة من التفاصيل الأثنوغرافية (علم الأعراق البشرية) في كتاباتهم ومذكراتهم كنتاجٍ لتجارب مباشرة وقريبة مع الآخر، تطورت إلى رغبة في اتصال مباشر مع الغريب والمثير جداً في الجزيرة العربية القبول بالنساء الغربيات والتعاطي معهن دون أي تحسس للمظاهر والأديان الأخرى بمعنى قبول الآخر على ما هو عليه، ونشير للدكتورة الألمانية (زغريد هونكه) التي لها دراسات وبحوث كثيرة ومؤلفات عن الحضارة العربية والإسلامية، وأثرهما على حضارات أوروبا، ومن أشهر مؤلفاتها (شمس العرب تسطع على الغرب).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها