النسخة الورقية
العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

نصف قرن ومشعل الكلمة لم ينطفئ 8/‏4

رابط مختصر
العدد 10917 الخميس 28 فبراير 2019 الموافق 23 جمادى الثاني 1440

تعرفت بشكل شخصي أو حزبي وسياسي على تلك البراعم الشابة المتدفقة موهبة وابداعا في مرحلة تاريخية مهمة، فقد كنا نتشاطر الزنازين وفناء السجن، مثلما كنا جيلاً مدرسيًا وأبناء أحياء شعبية واندية مشتركة، وسهرنا معا وتقاسمنا خبز الحرية ومناشيرها في تلك الاجتماعات المحظورة، هذه الفترة الذهبية تحتاج كتابة عميقة ودراسة منهجية عن علاقة وترابط الثقافي بالسياسي في حياة عناصر مبدعة في اسرة الادباء والكتاب، وطبيعة وحيوية تلك المرحلة الخصبة التي وضعت اسس الانطلاقة الادبية مؤسسيا، وجمعت كل تلك الطاقات في اطار ومناخ جمعية ابداعية كجمعية الاسرة. واستطيع ان اقول انه كانت وما زالت تربطني بهم ـ لنصف قرن ايضا ـ علاقات اخوية حميمية مستمرة، كما هي مع الاخ قاسم حداد وعلي عبدالله خليفة، وامين صالح وعبدالقادر عقيل وابراهيم بوهندي وخلف أحمد خلف وعلي الشرقاوي وعبدالحميد القائد وحمدة خميس وفوزية رشيد وايمان اسيري وخليفة العريفي، دون أن انسى علاقاتي بالاخوة الذين رحلوا من دنيانا، مثل الاخ محمد الماجد، يوسف يتيم، سعيد العويناتي، وعبدالله علي خليفة، وكانوا خسارة ادبية خطفها الموت قبل أوانها.

وفي الوقت الذي ظلت عملية المد والجزر والانكماش والانفراج السياسيين تأخذان منحا ارتداديا والعكس، كان الابداع الادبي بدرجة ما، يظل متأثرا بروحها دون ان تتعطل او تتكلس عربة الانتاج الادبي، فقد واصل المبدعون اعمالهم دون توقف، سواء كانوا داخل السجن او داخل غرف مكتومة متوجسة مرتعشة، تتحسس النور في عتمة الازقة والجدران، فالكبت وأجهزة الدولة، ايام هندرسون عجزت عن قتل روح الابداع، حيث الابداع واعمال المبدعين تتسرب كالضوء من منافذ الامكنة ومسامات المجتمع المسكون والمتوجس، بصوت قرعات الباب المدوية عند ساعات الفجر. هذه المرحلة عرفها شعبنا مثلما عرفتها الاسرة كجزء فاعل ومؤثر في المجتمع.

استمرت مسيرة اسرة الادباء والكتاب البحرينية مثل قارب صغير يسافر في موج المحيط الشاسع. هذا المحراب الثقافي الذي زرعه الانصاري والرعيل الاول من الادباء، ولم يكن يتخيل مداه السريع في التشكل والتمدد، وقد غادره عمليا عام (1972) ولم يتصور أن الاسرة ستتحول الى واجهة سياسية صدامية، كثيرا ما عرّضتها وعرّضت عناصرها للتحقيقات والمراقبة، وباتت الزيارة والدخول لمقر الاسرة في بعض الاوقات مجازفة انسانية كبيرة، فالمقر والجمعية برمتها اصبحت وكرا موبوءا للسياسة في نظر الجهات الرسمية.

وقد مثلت وعكست الاسرة اتجاها وتوجها ملموسا لتيار الادب التقدمي، وهذا ما كنا نلمسه، حيث تلقائيا انعزل المهتمين بنمط من الشعر التقليدي وغيره عن الاسرة وعزلوا انفسهم كأفراد عنها، ولم يحاولوا تشكيل جمعية موازية أو خلافه، ففي ذهن غالبية تلك العناصر وذلك الجيل، أن الجمعية الادبية ليست إلا صداعا سياسيا من الافضل تجنبه.

ولو قمنا بغربلة اوسع، عنصرا عنصرا واسما اسما ومبدعا مبدعا، لخرجنا بحصيلة محسوسة لكل انسحاب وانكماش واختفاء لعناصر واسماء معينة، ومواصلة البقية من «الحواريين» طريقهم ومشوارهم الابداعي حتى لحظة احتفالهم اليوبيلي هذا العام (2019).

لو تفحصنا تركيبة المؤسسين الستة عشر العمرية والعلمية والاكاديمية، فإن الغالبية العظمى، كانت مهتمة بالشعر والقصة القصيرة (لم يكتبوا حتى عام 1980 الرواية)، والثلاثة الاكبر عمرا هم الصباغ والانصاري والمناعي، كانوا وحدهم يومذاك من تخرج من الجامعة (ليسانس) آداب، فكان من الطبيعي أن ينصب اهتمامهم بالكتابات النقدية والدراسات في صحف ومجلات محلية محدودة، ورغم شح الموارد المالية الكافية لميزانية الاسرة، فإن إمكانية طباعة نشرة شهرية ومطبوع يهتم بالمجال الادبي، كان حينذاك نوعا من ضرب المستحيل للاسرة، الى جانب أن منح الترخيص كان نوعا من الحلم المتعثر. بعد الثمانينات تنفست الاسرة الصعداء، وراكمت خبرة واسعة وتمددت علاقاتها العربية والعالمية، فأصبح ـ بمثابة تلك الجمعية الملعونة! ـ أمرا واقعا هي الصوت الوحيد، والوجه الثقافي من مؤسسات المجتمع المدني للبحرين. ودون شك كانت الاجهزة الاعلامية والثقافية الرسمية بعد الاستقلال، تتلمس علاقاتها الثقافية الرسمية مع المحيط العربي، ولم يكن هناك من خيار للطرفين في مواصلة شد الحبل ـ المنقطع دوما ـ فشهدنا خطوات ايجابية من العلاقات الداخلية والعربية، دون أن ننسى شباب سنوات التأسيس (1969) الذين نضجوا عمريا وثقافيا وفكريا، وتعمقت تجربتهم الحياتية، وتفهموا حقيقة الواقع السياسي، وبصعوبة القفز دوما في عناد ضد كل ما هو مستحيل في عالمي الممكن واللاجدوى، فكانت سنوات النضج والتحولات في الثمانينات والتسعينات مع ظروفها الجديدة، المختلفة تماما عن فترة الستينات والسبعينات، فجاء اصدار مجلة (كتابات/‏1983) كصوت ثقافي ابداعي معبر عن تنوع وثراء الاسرة فكرا ومنهجا من خلال الدماء القديمة والجديدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها