النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

في وداع السيد «سومي»

رابط مختصر
العدد 10916 الأربعاء 27 فبراير 2019 الموافق 22 جمادى الثاني 1440

السيد «سومي» عامل آسيوي بسيط، في الخمسين من العمر، مضى عليه في العمل نحو عشرين عامًا، أمضاها في الخدمة المتصلة من دون انقطاع، في الحر والقر، في الرطوبة والمطر، من دون ملل أو كلل. يبدأ يومه في السادسة صباحًا بالضبط، ولا يغادر العمل إلا في تمام الساعة السادسة مساء.

سومي الطيب - هكذا كنت أسميه منذ البداية - هو كان أول من يصل إلى العمل، وآخر من يغادره، بالرغم من أن راتبه لا يتجاوز 70 دينارًا في الشهر، وبالرغم من صعوبة الحياة وأزماتها وزيادات الأسعار وغلاء المعيشة، فإنه دائم الابتسام، وعندما نسأله عن أحواله في أي وقت وفي أي حال، يرد من دون تردد: «الله كريم»..

وعندما يُسأل سومي عن أحواله وأحوال الأهل في بلاده، يرد من دون تردد: «الحمد لله، كل شيء تمام، الله كريم»! لم يشتكِ يومًا، ولم يفقد الأمل في الله ولا في الحياة ولا حتى في الناس الذين يغلب عليهم الشر. بل إن حكمته البسيطة في الحياة ساعدت العديد من الفقراء أمثاله، لامتلاكه القدرة على زرع الأمل في قلوب الذين من حوله، حتى وهم في أسوأ أحوالهم.

وبالرغم من قسوة الحياة والناس عليه، فإنه لا يتذمر، ولا يغيب عن العمل يومًا، ولا يرفض طلبًا أو توجيها، ولا يتردد في تنفيذ ما يؤمر به، حتى وإن كان صعبًا: «تعال يا سومي، روح يا سومي، نظف يا سومي، وصل الأغراض يا سومي، روح بسرعة يا سومي لا تنسى يا سومي».. وهكذا إلى آخر سلسلة الطلبات والأوامر الصادرة عن الجميع، صغارًا وكبارًا. فلا تسمع منه إلا كلمات من نوع: «حاضر»....

فجأة اختفى الرجل ولم نرَه كالعادة في الصباح الباكر، حيث تعود على إلقاء التحية على الجميع واحدًا واحدا. ولذلك كان غيابه فجأة أمرًا لافتًا ومستغربًا، فهو لا يغيب ولا يتأخر. سألت عنه أحد زملائه، فقال: إنه قد أصيب بأزمة قلبية حادة، يرقد على إثرها في المستشفى في العناية القصوى!

نزل الخبر نزول الصاعقة، لأن هذا الرجل الطيب كان يبدو في صحة جيدة، نشيطًا خفيفًا معافى ممتلئًا حيوية وحبًا للحياة. فضلاً عن أنه قد أصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للعاملين من حوله الذين يخدمهم، وينشر الأمل بينهم بابتساماته العريضة ولطفه الكبير.

عندما زرته في المستشفى، بعيد خروجه من العناية القصوى، لمحت في عينيه فرحًا أعرفه وسرورًا شعّ في وجهه وانتشر، وبعد السؤال عن حاله والاطمئنان عن صحته، سألت سومي عمن زاره من بين الذين خدمهم مدة عشرين عامًا، ابتسم ابتسامة طيبة ورد بلطف: الله كريم يا أستاذ، الأمور طيبة، وكثر الله خير الجميع، فقد اتصل بي أكثر من واحد منهم، بارك الله فيهم جميعًا!

انتابني حزن شديد، وخيبة أمل غير متوقعة، شعرت بنوع من الخجل أمام هذا الرجل اللطيف الخدوم. لم يلتفت إليه أحد في أول سقطة، فتساءلت بين وبين نفسي: لماذا أصيب الناس بهذا القدر من التبلد وهذا المستوى من التوحش وفقدان الحس الإنساني؟؟ 

وفي تلك اللحظة من الإحباط مر الشريط الطويل أمام عيني: رحلة الأحلام الصغيرة وكيف منيت بالخيبات واختلاط الحسابات وارتباك جداول الحساب بالنسبة لسومي. تلك الخيبات لم تبدأ من اليوم، فمنذ البداية كانت الأمور على هذا النحو: اثنتا عشرة ساعة عمل يوميًا، غرفة واحدة مكتظة بدوائر الأحلام الرمادية، حياة صعبة ودنيا متكالبة، ولكن سومي لا يفقد الأمل أبدًا، يعيش كل يوم منتظرًا يومًا جديدًا عساه أن يكون أفضل وأجمل. الحسابات التي رسمها في ذهنه لم تكن صحيحة في مجملها، ومع ذلك كان يتحامل على نفسه ليظهر أمام الآخرين نوعًا من الرضى والسعادة المفتعلة.

جدول الأحلام الصغيرة أصبح خارج السياق، ومع ذلك بذل سومي قصارى الجهد ليتحمل كل هذا العناء: عشرون عامًا، بكى خلالها بصمت وانسحق قلبه المرات تلو المرات، وهو ينفذ بصبر جميع الأوامر، ومع ذلك ها هو اليوم يرقد وحيدًا في سرير بارد، ومن حوله الصمت منتشرًا في أرجاء المكان الضيق، ولا أحد يسأل أو يزور. وهكذا تستوحش النفوس، وتختفي الإنسانية.

قال لي السيد سومي قبل رحلة العودة إلى بلاده، بعد أن تعافى قليلاً من الأزمة الصحية، إنه لم يعد قادرًا على العمل، وأضاف وقد رأى علامات الحزن بادية عليّ: لا تهتم كثيرًا يا أستاذ، دع الأمر للخالق، فهو أدرى بخلقه، أما أنا فقد كنت سعيدًا راضيًا مرضيًا طوال هذه السنين الطويلة التي أمضيتها في العمل، أغادر راضيًا مرتاح البال والضمير، لا أحمل في الذاكرة إلا كل خير عن كل الناس، بل وأحمل كل جميل للجميع! 

وكان ذلك آخر عهدي به، ولكن ذكراه لا تغادر مخيلتي إلى اليوم. ولذلك عندما أسير اليوم في تلك الشوارع وأرى كل تلك الوجوه السمراء، فلا أرى إلا «صورة السيد سومي» تلاحقني، لا أرى سوى الإنسان يلفه المكان والنور والظلام والنسيان والوحشة في رحلة الهواء والهراء والزيف وقسوة الانسان. 

 

همس

لن أفتح المذياع هذا الصباح...

ولن أنتبه إلى زقزقة العصافير،

لن أترك عقارب الساعة تُتكتك على نفس الوتيرة..

لتغنّ نجاة الصغيرة صامتة،

ولتبلع فيروز صوتها...

ولتسر السيارات بلا ضجيج،

 لن أترك صوتا يبلغ درجة النغمة،

 فأنا أنوي كتابة قصيدة نثر، 

ولا أرغبُ في أن يعيّرني أحد بإتيان الوزن!! 

أخجل من أن يحفظ أحد بيتا من بيوتي،

أو يتذكّر سطرا من سطوري، 

الكتابة عندي بياض وهباء-

 من نص للشاعر التونسي ( الصغير أولاد حمد)

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها