النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مِن «باب بْحَر» إلى «باب البحرين»

رابط مختصر
العدد 10916 الأربعاء 27 فبراير 2019 الموافق 22 جمادى الثاني 1440

إنّ ما يجمع تونس بمملكة البحرين أقوى وأكبر ممّا يمكن أن يُباعد بينهما، فقد عُرفت البحرين كتونس على امتداد التاريخ بالاعتدال والانفتاح على الآخر بحكم إطلالهما على البحر، حيث كانت درّة الخليج العربي في المشرق ودُرّة المتوسّط مغرباً، محطّتَيْ عبور الكثير من الحضارات على امتداد آلاف السنين. وقد تميّز أهل البلدين بحكم هذا الموقع، بالتعايش مع الآخر مع الحفاظ على الخصوصية التي تشكّلت تدريجيًّا، إذْ يرى الكثير من الباحثين أنّ تونس كما البحرين، تمثّل الوجه الحقيقيّ للعالم العربيّ، فكلٌّ من البلديْن يجمع بين التمسّك بالهويّة والأصالة والانفتاح على الآخر، فضلاً عن كونهما يراهنان على الإنسان بوصفه رأس المال الحقيقيّ للأمم، ما يجعل التنمية البشريّة في سلّم أولويات البلدين. 

 وقد قست الجغرافيا على شعبيْ البلدين، بحكم بعد المسافة بينهما وعدم وجود خطّ جوي مباشر، إلى حد الآن، يربط هذا القطر العربيّ بالآخر، وهو أحد المطالب الملحّة للمستثمرين خصوصاً وكافّة أبناء البحرين وتونس عموماً. لكنّ تاريخاً عربياً إسلامياً حافلاً بالمحطّات المشتركة، ولغة عربية فصحى تحكي عمق الأواصر بين الشعبين، كفيلان بأن يحفظا لأبناء العلاء بن الحضرمي وعقبة بن نافع وهْج العلاقة الحميميّة الت تجمعهما. وسأستعرض، وإنْ على عجل، بعض المميّزات المشتركة بين البلدين والشعبين، وذلك في شكل ملاحظات تقوم على المقارنة كالتي يكتبها أدباء الرحلة.

 بادئ ذي بدء، لفتت انتباهي هذه الصدفة الغريبة في تسمية «باب البحرين» في المنامة و«باب بْحَر» في تونس العاصمة، فكلّما دخلتُ باب البحرين وتجوّلتُ في أنهج المنامة القديمة وأسواقها العامرة إلا تذكّرت عبق «الأسواق» في «المدينة العتيقة» بتونس العاصمة. وكلّما خرجتُ من المدينة العتيقة بتونس وأشرفت على المباني الشاهقة في شارع الحبيب بورقيبة والمحلات التجارية والسكنيّة والمركّبات السياحية، إلا تذكّرت خروجي من باب البحرين وأنا أطلّ على المرفأ المالي والفنادق المنتشرة يمينًا وشمالاً ومؤسسات الاتصال والبنوك وغيرها.

دعك من هذه الصدفة الغريبة، وانظر معي في طبيعة أهل البلدين تجدْهما يشتركان في رفضهما لكلّ مظاهر الإرهاب والتطرّف وإدانتهما لكلّ أعمال العنف. فأهل البحرين كأشقائهم في تونس، أميَلُ إلى الحوار، يحكّمون العقل ويُعْلون صوت الحكمة لتجاوز الصعوبات والخروج من الملمّات بأخفّ الأضرار، والشيء من مأتاه لا يستغرب.

وقد تأثّرت علاقة أهل البلدين بالآخر بالطبيعة الساحليّة وإطلالة البلدين على البحر من جهات عديدة ممّا جعل كلاً من تونس ومملكة البحرين منفتحتين على الآخر منذ أقدم العصور؛ فلقد مرّ البلدان، بحضارات عديدة وعرفت أدياناً شتّى أثّرت عميقاً في نحت شخصيّة الإنسان وتطبّعه بطباع التسامح، فهو يقبل العيش مع الآخر، ويتقاسم معه الوطن الذي يغدو فوق كلّ اعتبار، بل تذوب فيه كلّ الاعتبارات الأخرى التي يمكن أن تفرّق بين أبناء الشعب الواحد.

 إنّ تاريخاً طويلاً من الاحترام المتبادل يربط تونس بدول الخليج، ولك أنْ تنظرَ إلى العلاقة بين تونس والبحرين مثلاً، لِتجد مصداق ما نقوله: خذ على سبيل المثال جولة الشيخ المصلح عبد العزيز الثعالبي الزعيم والمناضل والمفكر التونسي، في عشرينات القرن الماضي إلى الخليج العربي، وكيف خصّ خلالها البحرين بزيارة تاريخية تحدّث عنها الأكاديمي إبراهيم عبد الله غلوم بإفاضة في كتابه «الثقافة وإنتاج الديمقراطية» (2002)، حيث استعرض علاقات التعاون بين الدولة الحُسينية في تونس ودول الخليج في القرن التاسع عشر، مستدلاًّ بها على متانة أواصر التعاون بين مشرق العالم العربي ومغربه.

ولاشكّ أنّ كلا البلدين في حاجة ماسّة إلى تقوية نسق التبادل التجاري وتعزيز التعاون الاقتصاديّ، لكنّي أزعم أنّ الشعبين، البحريني والتونسي على حدّ السواء، يأملان في مزيدٍ من أشكال التعاون والتبادل، وخصوصاً على المُستوَييْن الثقافي والعلمي والسّياحي، فتونس كما البحرين تزخر بالطاقات الإبداعيّة في المسرح والموسيقى والفنون التشكيليّة والنحت والنقد وغيرها... وإنّي لا أنسى حرصَ صديقٍ لي بتونس، صاحب محلٍّ لبيع الكتب والمجلّات، على أن أزوّده ببعض العيّنات من المجلات الصادرة في البحرين لعلمه بما تتوفّر عليه الساحة البحرينية من نشاط ثقافي ونقديّ. كما لا أنسى حرص صديق بحرينيّ لي على متابعة مؤلفات أحد أعمدة الفكر والنقد في تونس الدكتور والمفكّر هشام جعيّط.

إنّ كلّ من زار مملكة البحرين من أهل تونس سواء في إطار سياحيّ أو زيارة عمل أو غيره... إلا وعاد وهو يحملُ الانطباع الإيجابيّ عن مملكة البحرين، كما لا ينقص أهل البحرين سوى الذهاب إلى تونس لاكتشاف سحر هذا البلد على امتداد الفصول الأربعة والاستمتاع بمختلف أشكال الخدمات الممكنة من سياحة واستجمام، إلى صحة ونقاهة أو رياضة وترفيه أو ثقافة وتعليم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها