النسخة الورقية
العدد 11151 الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

الأمن القومي العربي (2 - 3)

رابط مختصر
العدد 10913 الأحد 24 فبراير 2019 الموافق 19 جمادى الثاني 1440

وقبل تناول موضوع التهديادات ذات الطابع الأمني التي تحيط بالبلاد العربية، لا بد من التوقف، وبتجرد علمي موضوعي، عند بعض السمات المشتركة لتلك البلاد، ذات الاتصال المباشر بقضايا الأمن القومي، والتي يمكن رصد الأكثر حضورا بينها في النقاط التالية:

1. الطبيعة السياسية التي تحكم الواقع العربي، إذ تتحكم في السلوك السياسي العربي سمتان أساسيتان تتضاربان فيما بينهما: الأولى هي الانتماء القومي العربي الذي يسيطر، وبتفاوت على سلوك المواطن العربي، وهو الانتماء العروبي، الذي تفرضه عوامل التاريخ المشترك، والرقعة الجغرافية المتصلة، والانتماء الديني للغالبية العربية الساحقة، كما يطرح المنتمون للفكر القومي، بمختلف اتجاهاته، منطلقين في دعوتهم التوحيدية، من خلفية الوحدة في الحضارة، واللغة والتاريخ. على نحو موازٍ، هناك الواقع السياسي العربي الذي يمزق الكتلة العربية إلى مجموعة تفوق العشرين كيانًا سياسيًا، تتفاوت فيما بينها من حيث، مصادر الدخل وحجمه ومكوناته. يخلق هذا الواقع نوعًا من «الانفصام» السياسي، الذي يجعل من القول بوجود أمن عربي مشترك، على النحو الذي يوصف به أمن بلدان أخرى شبه مستحيل. فمن المنطق «الأمني»، القول بوجود أمن قومي أمريكي، أو فرنسي، أو حتى ألباني، في حين يصعب القول بوجود أمن عربي بفضل التمزق السياسي، الكياني، الذي يشظي الواقع العربي. والحديث هنا لا يقف عند حدود تفاوت في طبيعة الأمن، أو مستواه، بل يصل، أنه في محطات تاريخية معينة شكلت إحدى الدول العربية تهديدا أمنيا مباشر لشقيقتها العربية، بفضل المصالح الضيقة لهذه الدولة العربية على حساب الدولة الأخرى. بل وجدنا في حالات معينة أن تلك الدولة، تشكل تهديدا أمنيا مباشرا للدولة العربية الأخرى. شاهدنا ذلك عندما غزا صدام حسين الكويت في أواخر القرن العشرين، وكما تصادمت عسكريًا بشكل مباشر أو عبر أطراف أخرى بلدان المغرب العربي تحت مسمى قضية الصحراء المغربية. وهناك قائمة طويلة من الحالات المشابهة التي لا تستحق السرد هنا.

2. التنوع الإثني، وإن جاز القول العرقي لمكونات العرب المجتمعية، حيث تحتضن الكتلة السياسية العربية، مجازًا، مجموعة لا يستهان بها من التعددات النابعة من تلك المصادر التي لم تنجح الحكومات العربية، حتى يومنا هذا، في صهرها في بوتقة وطنية واحدة، دع عنك النجاح في صهرها في البوتقة الأكثر شمولية وهي الدائرة العربية. وشكل النزوع السياسي الذي حكم سلوك العديد من تلك القوميات، أو الإثنيات مصدر تهديد مباشر وخطر على الأمن العربي، سواء بأنشطته السياسية الداخلية التي لم تتردد في المطالبة بالانسلاخ من المكون السياسي العربي، أو الاستعانة بطرف أجنبي ضد الكيان السياسي العربي القائم. هذا التنوع الذي يكاد أن يكون حالة عربية استثنائية بلغ في حالات معينة مصدر تهديد مباشر وخطر لـ«الأمن العربي»، عندما لم يتردد هذا المكون «الأقلي» أو ذاك من الاستعانة بأطراف خارجية معادية للعرب من أجل الاستقواء بهم على المكون العربي الأكثر شمولية. نورد هنا مثالين، قد يتفاوتان في مطالبهما، ومن ثم في مستوى الخطورة التي مثلاها، لكن كل منهما على حدة شكل وفي مرحلة تاريخية محددة ذلك الخطر الأمني الذي نتحدث عنه. فهناك أولاً، الحالة الكردية، والتي شكلت النموذج الأكثر حضورًا عندما لم تتردد قيادة الحركة الكردية العراقية من الاتصال بالصهيوني كي «ينتصر» لها ضد معركتها التي تخوضها ضد الحكومة المركزية العراقية. يمكن ان تساق العديد من المبررات لهذا السلوك الذي ليس هنا مجال الخوض فيه، كي لا نحرف نظر القارئ عن القضية المركزية، وهو ان ذلك الاتصال شكل خرقًا أمنيًا هدد مقومات منظومة الأمن العربي التي سوف نتحدث عنها. على نحو موازٍ هناك الحالة الأمازيغية في المغرب العربي، فمهما طرحت المبررات التي دفعت بكل المنادين بحقوق تلك الأقلية، لكن تلك الحقوق لا ترقى إلى تبرير استعانة قيادة تلك الحركة بدول مثل فرنسا كي تدس أنفها في قضايا داخلية مغاربية مست من خلالها الأمن لدول مثل المغرب والجزائر، بل وحتى ليبيا.

3. التفاوت في تحديد الطرف الخارجي الذي يشكل العنصر الأكثر تهديد للأمن العربي، سواء كان ذلك الطرف يمثل حضورًا إقليميًا أم ينتمي للخارطة السياسية العالمية. نورد هنا مثالين الأول منهما إقليمي والثاني دولي. فعلى المستوى الإقليمي وجدنا تفاوتًا واضحًا في تحديد الطرف الأشد خطورًا، حتى في هذه المرحلة التاريخية من التطور السياسي العربي. فاليوم هناك من لا يزال يضع الكيان الصهيوني في قائمة القوى الإقليمية من حيث درجة الخطر الذي تمثله على الأمن القومي العربي، حتى عندما نفصل ذلك الحضور عن صلب الصراع العربي الصهيوني، والذي هو حقوق الشعب الفلسطيني المهدورة. مثل هؤلاء يدعون لإخضاع الدفاع عن حياض الأمن القومي العربي وفق أولويات هذا التحديد في طبيعة التناقض، ومن ثم درجة الخطر التي يشكلها الكيان الصهيوني على ذلك الأمن. مقابل هذا التحديد في أولويات التناقض، هناك من يضع إيران، وآخرون تركيا، في قائمة البلدان التي تشكل الخطر الأشد على الأمن القومي العربي. وفي سياق هذا التحديد نجد هذا الطرف العربي يورد المسوغات والأسباب التي تبرر صياغته للطرف الذي يتبوأ قائمة الدول التي تهدد الأمن القومي العربي. مرة أخرى ليس الهدف هنا الانتصار لهذا الطرف أو ذاك، بقدر ما أردنا الإشارة إلى العناصر التي تقود إلى التباين في وضع أولويات ما يمكن وصفه بالمهدد للأمن القومي العربي. وعلى مستوى التهديد العالمي هناك التفاوت بين من يضع الولايات المتحدة مقابل من يضع روسيا في مقام تصدر قائمة الدول التي تهدد الأمن العربي. كلمة لا بد من قولها هنا، وهي أن بعض قوى المعارضة العربية وضعت تناقضها الأساسي مع القوى الحاكمة، ومن ثم وجدت في اسقاط تلك الأنظمة الهدف الأول في برامج عملها، عند الحديث عن مهددات الأمن القومي العربي.

كل ما سرد أعلاه، يثبت أن هناك جدلاً واسعًا، علنيًا أو مبطنًا يقود إلى الاختلاف حول تحديد المهدد الأساس للأمن القومي العربي، ومن ثم ففي خضم هذا التنافر، يصبح من الصعب، إن لم يكن من الاستحالة بمكان، الحديث عن صيغة عربية موحدة لذلك الأمن، وبالتالي فمن الضرورة بمكان هنا، وضع حلول لمثل هذه الأوضاع القائمة كي تكون هي الخطوة الاولى الصحيحة على طريق تحديد عناصر الأمن القومي العربي الذي نتحدث عنه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها