النسخة الورقية
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    7:36PM

كتاب الايام

أربعون عامًا على ثورة «الكاسيت» (1)

رابط مختصر
العدد 10908 الثلاثاء 19 فبراير 2019 الموافق 14 جمادى الثاني 1440

مرت أربعون عامًا على نجاح الخميني في إقامة النظام الحلم.. ولاية الفقيه بدعم فرنسي أمريكي ضد حليفهم الأهم والأكبر في منطقة الخليج العربي الشاهنشاه آريامهر أو «شرطي الخليج» كما كان يطلق عليه، لينتهي به الحال ضيفًا غير مرغوب فيه لدى الرئيس الراحل أنور السادات بعد ما رفضته عواصم العالم أجمع. لقد كان أمراً في غاية الصعوبة لإمبراطور تخلى عنه حلفاؤه الأوروبيون والأمريكان من أجل نظام ارهابي متطرف لم يزل يثير حالة من انعدام الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط الذي امتدت أذرعته لخمسة عواصم عربية، متحكماً في قراراتها السيادية ومهدداً أمن الدولة الاسرائيلية ومحققًا انجازًا مباركًا بدخول النادي النووي بمرآى ودعم الدول الأوروبية كألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة التي قدمت له كل التسهيلات بعد التوقيع على الاتفاق النووي معه في مايو 2015.

والسؤال لماذا تخلى الغرب عن الشاهنشاه آريامهر؟ لماذا دعم الغرب ثورة «الكاسيت الخمينية» التي انطلقت من ضاحية صغيرة في باريس؟ أسئلة كثيرة يقف أمامها المتابع في حيرة من أمره!! أهي السياسة التي يقال عنها «لعبة الأمم» أم هي المصالح التي تحرك الدول وبوصلة السياسة الدولية!!

ولكي نصل الى الجواب المحتمل لابد لنا من قراءة التاريخ بالعودة للوراء والنظر الى العلاقات بين القوتين العظميين وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط في تلك الفترة قبل نجاح ثورة الكاسيت عام 1979.. فماذا كان شكلها؟

لقد كان العالَم مقسوماً إلى معسكرين متنافسين، رأسمالي وشيوعي. كما شهدت تلك المرحلة أحداثاً مهمة على الصعيد العالمي تتقدمها فضيحة «ووترغيت» وتمدد اليسار عالمياً وهزيمة الولايات المتحدة في فييتنام وفقدانها كثيراً من هيبتها في العالم.

أما على الصعيد الإقليمي، فقد كان المعسكر العربي منقسماً، على نحو ما، إلى دول «تقدمية» هي سوريا ومصر والجزائر وليبيا واليمن الديمقراطي والعراق وأخرى «رجعية» هي دول مجلس التعاون التي تقودها السعودية. هذا الانقسام شكل عامل ضغط مهم على سياسات الدول العربية «الرجعية» إن صح التعبير.

من الأمور الأخرى التي وجب أخذها في الاعتبار وجود إيران الشاهنشاهية وممارستها دور شرطي المنطقة وسياستها المتعالية تجاه دول الخليج العربية ومطالبتها بالبحرين التي انتهت بعد استقصاء على رغبات شعب البحرين تحت إشراف الأمم المتحدة عام 1971 وقيام ايران باحتلال جزر طمب الكبرى وطمب الصغرى وأبو موسى التابعة لإمارة الشارقة العضو في الامارات العربية المتحدة في نفس العام وكانت حينها لا تزال خاضعة للسيادة البريطانية.

وقادت سياسة واشنطن تجاه الاتحاد السوفياتي - الخطر الأكبر على النظام الغربي الرأسمالي - إلى سياسة ما يسمى «الاحتواء»، أي حصر المنافس والغريم ضمن حدوده ومنع أي تمدد له، وهذا يعني دعم أنظمة وقوى إقليمية معادية للشيوعية لإحاطة موسكو وحلفائها بحزام معادٍ للشيوعية. لذلك شكل الشرق الاوسط نقطة ارتكاز مهمة في سياسة واشنطن بسبب احتياطي النفط خصوصاً بعد الانقلاب على الملكية في العراق في 14 يوليو 1958م وظهور سلسلة من الجمهوريات بسوريا ومصر ومن بعد ذلك ليبيا إلى معسكر معادٍ لها، نسبياً، إضافة إلى الهند الدولة القوية، وأكبر «ديمقراطية» في العالم، ورفضها كل محاولات تقرب واشنطن منها على حساب تخليها عن كشمير لصالح باكستان حليفة واشنطن. كما أدى ظهور حركة عدم الانحياز الى فتح ثغرة خطرة في التكتل المعادي لموسكو في المنطقة مع الأخذ في الاعتبار مرور امدادات النفط من الخليج العربي إلى العالم مما أعطى منطقة الخليج العربي أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة وكان لإيران في خضم تلك التطورات وضعاً استثنائياً.

لقد كانت مشكلة واشنطن خشيتها من قيام أنظمة معادية لها قد تعرض الملاحة الدولية في الخليج العربي وعائداته النفطية للخطر، وهو ما دعاها للتدخل في إيران عام 1952 لإسقاط وزارة الزعيم القومي الإيراني محمد مصدق وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي ونظامه إلى السلطة. واشنطن نظرت إلى نظام الشاه المعادي بالفطرة للشيوعية، على أنه عامل ثبات في المنطقة وكانت تدعوه دائماً لإدخال إصلاحات اقتصادية واجتماعية وتحديث بنية الدولة الإدارية كي يتوقف عن مطالبته بتقديم المعونات الاقتصادية والعسكرية. لذلك فقد كان للتطورات اللاحقة وخصوصاً تجربة حرب فييتنام القاسية التي دفعت واشنطن لسياسة قامت على إنشاء قوى إقليمية محلية للدفاع عن مصالحها بدلاً من إرسال جنودها في مناطق الحروب والصراعات والتدخل المباشر لحماية مصالحها.

إن المسؤولية الرئيسية في سقوط الإمبراطورية الشاهنشاهية ونجاح «ثورة الكاسيت» تعود - في نظري - على الشاه نفسه بسبب:

أولاً: طموحاته الإقليمية بالسيطرة المنفردة على منطقة الخليج العربي والمنطقة الواقعة شمال الحدود الإيرانية وشرقها بعيدًا عن نفوذ وتوجيهات الولايات المتحدة وخارج إطار سياستها.

ثانيًا: سياسة الشاه النفطية والتسليحية وعدم اهتمامه بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وثقته الزائدة بالولايات المتحدة وصداقاته الوثيقة التي - رفعت درجة الغرور السياسي لديه - مع الرؤساء الأمريكان وخاصة الرئيس نيكسون الذي أطاحت به فضيحة «وتر جيت».

ثالثًا: خروج الشاهنشاه من دائرة استراتيجية الأمن في المنطقة بعد انتهاء دوره ومساهماته العسكرية في عدد من عمليات القوات الخاصة الإيرانية السرية التي تخدم المصالح الامريكية في باكستان وفيتنام والأكراد.

وظهور السعودية كقوة إقليمية جديدة مهمة بعد وقف تصدير النفط أثناء حرب أكتوبر عام 1973 والاهتمام الأمريكي بتنسيق سياسة ضبط أسعار النفط بما يحمي الصناعة الغربية، في الوقت الذي اصر الشاه على رفع أسعار النفط لتنفيذ خطته الخمسية للتنمية والبناء.

لذلك وبعد أن تضاربت مصالح واشنطن مع السياسات التسليحية والنفطية والأوضاع الداخلية الإيرانية وتطاول الشاه بتهديدها، قررت التخلص منه دون وضع الحسابات السياسية الصحيحة للنظام القادم الجديد تحت ضغط ثورة (البازار) والمتمثل في نظام ولاية الفقيه الديني المتطرف الذي اتخذ من شعارات حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، عناوين براقة ووعود كاذبة للحصول على التأييد الأوروبي والأمريكي لقيامه على حساب نظام الشاهنشاه آريامهر.

لقد شعرت الولايات المتحدة وأوروبا بعد سنوات من دعمها لنظام الملالي بأنها تخسر أقدامها في منطقة الشرق الاوسط تعرض الأمن الاسرائيلي للخطر، فلجأت لسياسة «الاحتواء» بعد التوقيع على «اتفاق أوباما النووي» الذي بدلاً من يحتوي الأطماع الإيرانية المتزايدة، نجده قد سمح لنظام الملالي بالتمدد والسيطرة الإقليمية في منطقة تعتبر من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم وأغناها بالنفط الذي هو عصب الحياة في أوروبا وأمريكا.... وللمقال بقية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها