النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

الإنسانية والفطرة تنبذان التعصب

رابط مختصر
العدد 10907 الاثنين 18 فبراير 2019 الموافق 13 جمادى الثاني 1440

وثّقت العديد من المصادر التاريخية على امتداد خمسة آلاف سنة أي منذ نشأة الحضارات، محاولة الإنسان بناء مجمعاته السكنية في مدنه وقراه من أجل العيش بسلام وسط مجتمع بشري آمن يكمل بعضهم بعضاً، ويحمي بعضهم بعضاً. وجاءت تلك المصادر التاريخية على هيئة أشكال مختلفة كالنقش على الحصى والجدران، والكتابة على الألواح الطينية، وكذلك الكتابة على أوراق البردى أو الجلود والرقاع والعظام واللخاف إلى الكتابة على القرطاس.

أخذت تلك المجتمعات البشرية عبر العصور الموغلة في القدم تجتهد لسن القوانين التي تنظم حياة المجتمعات البشرية وتوثيقها على تلك الوسائل السالفة الذكر، وفق المناطق التي يعيشون عليها والتي تعرف وفق الاصطلاح الحديث (الدولة). فقد لاقت تلك المجتمعات البشرية الأمرين من تسلط القوي على الضعيف والغني على الفقير، إذ لا توجد قوانين وتشريعات تحمي الإنسان.

بدأ سن القوانين والتشريعات لأول مرة في التاريخ للمحافظة على الإنسان وصون كرامته في حضارة وادي الرافدين (بالعراق). ويعد حمورابي أول من أصدر القوانين، حيث اشتهر بإصداره قانون (العين بالعين) والذي ينادي بالمساواة بين بني البشر.

أخذت المجتمعات البشرية في الحضارات القديمة تستقر رويداً رويداً، وتشعر بالأمن والسلام والمساواة والعدالة في عهد الأنبياء والرسل، الذين كانوا هداة الأمة. وكانت الكتب المقدسة المتمثلة في التوراة والانجيل والقرآن الكريم تدعو إلى

 تطهير النفوس من رجس التعصب الأعمى باعتباره الداء الذي يهدد البشرية ويفتك بها. كما أن الديانات الوضعية كالبوذية، والزرادشتية، والهندوسية جميعها تنادي بالمحبة والألفة والوئام.

لقد عانت المجتمعات البشرية بسبب التعصب عبر تاريخها القديم والحديث والمعاصر من المحن والقتل والتعذيب، وحرق المساكن ونهب الممتلكات والمزارع، والتهجير القصري، وجميع تلك الأعمال تمقتها الفطرة الإنسانية، كما يمقتها العقل والمنطق.

لم تتوقف العصبية على مجتمع معين، أو على دين أو مذهب معين، وإنما انتشر هذا الداء واستفحل خطره في عصرنا الحالي في دول غربية وشرقية على السواء. وتتركز العصبية وتتجسد حالياً في الاثنيات والأصول، حيث يتفاخر البعض باصوله ويعتقد أن جنسه واصوله هم الجديرون بالحياة الكريمة وبالتفوق على سائر البشر.

وقد ابتلت بعض دول أوروبا بهذه النظرة الضيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فانتشرت ظاهرة نبذ الملونين اعتداداً بالجنس والعرق، وهي عصبية جسدتها بصورة واضحة النازية التي هي أيديولوجية تقوم على الترتيب العرقي وتضع كل من ينتمي إلى العرق الآري (وهم الجرمان) في قمة هرم البشرية، الأمر الذي أدى إلى قيام حربين عالميتين مصدرها ألمانيا وسببها نظرتهم المفعمة بالعصبية، حيث قتل الملايين من البشر.

إن أخطر أنواع التعصب الذي بسببه تمزقت وحدة المجتمعات البشرية، وأصاب الكثير من الدول الخراب والدمار وازهاق الأرواح بدون جريرة.. هو التعصب الديني والمذهبي الذي نلاحظ آثاره المدمرة في بعض الدول التي أصبحت وكأنها تعيش في العصور المظلمة من شدة ماحل بها من دمار وخراب.

لقد عانت البوسنة والهرسك من قتال وحرب تدميرية تميزت بنبرة طائفية بين المسلمين والمسيحيين الصرب في الفترة من عام 1992 وحتى عام 1995م تم فيها إبادة أكثر من ثلاثين ألف مسلم. كما تعرض المسلمون في ميانمار ببورما في وقتنا الحالي إلى إبادة جماعية من مجموعات بوذية متعصبة أدت إلى تهجير عشرات الآلاف من مناطقهم إلى دولة مجاورة.

وبرزت في المنطقة العربية الجماعات التكفيرية المتشددة في تعصبها، حيث كانت ترى أن منهجها الديني المتعصب هو المنهج القويم والصحيح، ومن يخالفهم يستحق القتل. وقد أدت تلك الفتن إلى قتل عشرات الآلاف وتدمير مدن بعينها، وإلى تشريد مئات الآلاف.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما ذنب اليهودي أو المسيحي أو المسلم أو البوذي أو غيره من أصحاب الديانات الوضعية الذي ولد وسط أسرة من تلك الأسر وأصبح متعلقاً بدين أسرته، بل ومتعلقاً بلغتها ولهجتها وعاداتها وتقاليدها؟ وما ينطبق على الديانات ينطبق على المذاهب.. فالطفل المسلم الذي يولد وسط أسرة سنية يكون سنياً، وكذلك الطفل المسلم الذي يولد وسط أسرة شيعية يكون شيعياً، فلا ذاك اختار دينه ومذهبه ولا هذا اختار دينه ومذهبه، وإنما اعتناق الطفل الدين والمذهب وكذلك اللغة واللهجة والعادات والتقاليد يأتي نتيجة تربية الأسرة. ولا توجد قوة قاهرة في هذا الكون تستطيع إجبار الناس على تغيير دياناتهم أو مذاهبهم التي تشبّعوا بها وتربّوا عليها منذ طفولتهم، وإن من يحاول ذلك فهو يطلب المستحيل.

إذاً علينا جميعاً أن نمقت الطائفية وننبذ التعصب الديني والمذهبي الذي هو أخطر معول لهدم المجتمع الإنساني. فبناء الأوطان، وتعمير الأرض والعيش بسلام يكمن في التعايش السلمي بين جميع الديانات والطوائف والمذاهب، وهذا ما يجسده ويطالب به مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي في مملكة البحرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها