النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10942 الاثنين 25 مارس 2019 الموافق 18 رجب 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:51PM
  • العشاء
    7:21PM

كتاب الايام

جاسم مراد نَمْ قرير العين

رابط مختصر
العدد 10905 السبت 16 فبراير 2019 الموافق 11 جمادى الثاني 1440

لم ألتقِ بجاسم مراد شخصيًا، ولكنه كان حاضرًا معي دائمًا، كما كان حاضرًا في الذاكرة الجمعية للبحرينيين، خاصة منهم الأكثر وطنية وغيرة على المصلحة العامة. كان الناس بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم ومذاهبهم - ولا زالوا - يتفقون على وطنيته التي امتدت زهاء ستة عقود منذ انتفاضة جيله على الاحتلال البريطاني الغاشم في الخمسينات، وهي أطول انتفاضة في تاريخ البحرين، استمرت مدار سنتين، في كرٍ وفرٍ بين السلطة والشعب. كان جاسم مراد هوأحد فرسان هذه الانتفاضة الباسلة، التي هيأت بدورها لانتفاضة الستينات، وأكدت للاحتلال البريطاني أنه غير مرغوب فيه، وعليه أن يغادر. 

في السبعينات برز اسم جاسم مراد كوطنيٍ شديد الوفاء والولاء لبلاده، وهو ما حرص عليه: (هذا المحرقي الذي تعلم الوطنية من فضاء هذه المدينة التي عرفت بوطنيتها الفائضة، وخرجت منها أجيال وطنية متتابعة طوال ثلاثة أرباع القرن هي عمر حراكنا الوطني الحديث). وكان من حسن حظنا أن يمتد العمر طويلاً بجاسم مراد، ليعيش تجربة خصبة سنتعلم منها الكثير. وأول ما يبرز لنا أمام هذه التجربة النادرة هو الثبات على المبدأ، وهو بالنسبة له موقف أخلاقي بالدرجة الأولى. استمر جاسم مراد على هذه القناعة وهذا المنوال ستة عقود صاخبة، ولم تغيره الظروف والهزات، والتيارات السياسية المتضاربة، كما لم تغيره قوانين أمن الدولة التي غيّرت الكثيرين. هذه الفترة التي أنهكت الكثير من الليبراليين أصحابه، والكثير من اليساريين الذين زايدوا عليه، في وقت كانت فيه الليبرالية، عند اليسار هي تراخٍ وانسجام ومهادنة مع السلطة. 

الزمن يغربل الرجال ويفضحهم إن كانوا غير صادقين - ليبراليين أو يساريين - وكم من هؤلاء وأولئك اختفوا من المشهد السياسي وذابوا كالملح. وكم منهم حابى السلطة ومال لها. وكم منهم هجر العمل السياسي؟ وكم منهم ضيّع (المال صارع الرجال) صوابهم وعقولهم وضمائرهم؟ كان لا بد أن أذكر هنا - ليفهم القارئ بخاصة من الأجيال الجديدة - كم ضحى جاسم مراد وقدم لكي يحافظ على نزاهته وطهرانيته (وبضدها تتبين الأشياء /‏ المتنبي). 

جاسم مراد كان نسيج وحده. لا يشبهه أحد ولا يشبه أحدًا. كان في عقود اليسار ليبراليًا، وفي عقود اليمين الديني ليبراليًا، وفي المرحلة الديمقراطية ليبراليًا. بالحتم لم يفهمه اليسار ولا اليمين، ولا رضوا عنه، كما لم ترضَ عنه السلطة. ظل جاسم مراد في المكان الصحيح، بين اليمين واليسار، يأخذ من كل جهة ما يراه مناسبًا. وكان من حسن حظه أن يكون ختام حياته مسكًا، ففي مجلسه العامر كان يحتوي الوطنيين من جميع التيارات، مظهرًا هذا التسامح السياسي الذي نفتقده في بلادنا العربية والذي هو من جوهر الليبرالية. هذا التسامح الذي يعني احترام الآخر وإن كان مخالفًا. اليسار اكتشف سلبياته بعد التسعينات، واليمين اكتشف سلبياته بعد تحول التيارات الدينية الى الإرهاب. وجاسم مراد انتصر على الجميع، لأن ليبراليته ظلت هي النظام السياسي الأنسب لنا (ويتضح ذلك الآن بوضوح بعد سقوط نجم التيارات السياسية ومنها الإسلام السياسي، كما أن الليبرالية هي السائدة أو الأكثر نجاحًا في كل العالم). أي نبوءة كانت واضحة لجاسم مراد فيما لم تكن واضحة لنا؟ وأي دلالات تشير إليها هذه الحاسة الفطرية لهذا الرجل البار لأمته؟ من الجميل أن يشهد جاسم مراد في آخر حياته، اليسار وهو يميل الى الليبرالية، وأن يرى اليمين وهو يدرك أن الليبرالية ليست شرًا مستطيرًا ورجسًا من عمل الشيطان. 

جاسم مراد القادم من انتفاضة الخمسينات الباسلة كان يعني لي الكثير، فهو الملاك الذي يذكرنا بالماضي التليد. وهو الإنسان الثابت على المبدأ. وهو الفارس الذي نتعلم منه دروسنا للمستقبل. ولا أعتقد أن أمثاله ينتهون بانتهاء مادة الجسد الفاني، فهم تأصلوا في شرايين الناس. وهم أسسوا سلالات وطنية ستكون مؤثرة في مستقبل بلادنا. وهم زرعوا بذورًا تثمر الخير والعطاء والحكمة لتتعلم منها الأجيال جيلاً وراء جيل. لا شك أن هذا الفارس النبيل (الذي نحبه جميعًا)، قد أغمض عينه وهو سعيد، ونام قرير العين، فالبلاد التي أحبها تسير في اتجاهه الذي اختاره وتمناه. ليبرالية جاسم مراد هي ترجيح للعقل والحرية والعدالة الاجتماعية. وهي ليبرالية قادت خطى الثورة الفرنسية الى حقوق الإنسان بسليقته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها