النسخة الورقية
العدد 11178 السبت 16 نوفمبر 2019 الموافق 19 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

مشاهد من بيلاوروسيا

رابط مختصر
العدد 10904 الجمعة 15 فبراير 2019 الموافق 10 جمادى الثاني 1440

 أكتب من مينسك عاصمة بيلاوروسيا التي أزورها في عز شتائها، حيث الثلج يتساقط دون توقف ودرجة الحرارة تتراوح بين ثلاث درجات ودرجة تحت الصفر. بيلاوروسيا للذي لا يعرفها، وأقدر أن كثيرين لا يعرفونها ذلك أن الصيت والسمعة كانت حكرا على روسيا دون غيرها من دول الاتحاد السوفيتي السابق. جمهورية بيلاوروسيا واحدة من الدول الواقعة في الجغرافيا الأوروبية وكانت مع روسيا وأوكرانيا إلى جانب دول أخرى يبلغ عددها مجتمعة خمس عشرة دولة شكلت معا آنذاك ما عرف بالاتحاد السوفيتي، وأصبحت بيلاوروسيا دولة مستقلة في العام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي قضى بعد سبعين عاما من الحضور المؤثر في الساحة الدولية، ولولا ذاك الوجود لكان العالم معرضا لحروب ودمار يفوق بمرات ما شهده العالم قبل انهياره ككيان سياسي عالمي، لأنه حقق توازنا في القوى بين الشرق والغرب.
 للاتحاد السوفيتي السابق كثير من الأفضال على شعوبه، ولعل من أبرزها نجاحه في تأسيس قوة عسكرية وصناعية وزراعية وعلمية مرفودة بنظام تربوي تعليمي كان من أهم أهدافه وأجلها صناعة الفرد السوفيتي القادر على استيعاب التعددية الإثنية فيه وقبول العيش مع المختلف ثقافيا، وأسهم كل ذلك في حفظ الدولة كيانا متحدا قويا كل تلك المدة الزمنية، ولولا تكالب الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وغيرها من الدول في محاربة الاتحاد السوفييتي سياسا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا ولولا سباق التسلح الذي استنزف الكثير من طاقات الاتحاد السوفييتي لكان حتى اليوم قوة يحسب لها ألف حساب.
 ولندع جانبا الحديث عن الاتحاد السوفيتي، وهو حديث ذو شجون ومتفرع الشئون، لنعود إلى بيلاوروسيا ونتحدث عنها كجمهورية فتية عمرها ثمانية وعشرون عاما فحسب ونقول: على الرغم من أن الموارد الاقتصادية لجمهورية بيلاوروسيا محدودة ومن أبرزها صناعة المنسوجات ومعالجة الأخشاب والمنتوجات الزراعية، إلا أن جمال البلاد ولباقة شعبها ورقيه من المغريات التي تجذب السائح وتدعوه إلى معاودة زيارتها المرة تلو المرة. يبلغ عدد السكان في بيلاروسيا أحد عشر مليون نسمة تقريبا، ويعيش منهم أكثر من مليوني نسمة في العاصمة. يؤم البلاد كثير من السياح وذلك بسبب ما تمتلكه من طبيعة ساحرة جذابة، إذ تشكل الغابات أكثر من 40 في المئة من مساحة أراضيها ولهذا فإن أول ما يلفت نظرك والطائرة تهم بالنزول التدريجي على أرض مطار مينسك المساحات الشاسعة من غابات الأشجار وقد احتوتها غابة أخرى من الثلج مترامية الأطراف. وفي بيلاوروسيا عدد ضخم من البحيرات يبلغ 11000 بحيرة، لم يسمح الثلج لنا بإمتاع ناظرينا ولو بواحدة منها. وتشق بلاوروسيا أنهار كثيرة أكبرها أربعة هي من البلاد شريان حياة وثروة طبيعية واقتصادية في آن. أما الطاقة وهي عصب الحياة المدنية اليوم وأحد مفاتيح التقدم فهي المرتجى لدى الشعب البيلاوروسي، إذ يسعى ساسة البلاد إلى تطوير مصادر الطاقة وتنويعها وحسن استغلال المتاح منها طلبا لشيء من الاستقلال الطاقي يبحث عنه البيلاروسيون، وإلى أن يتحقق لهم هذا الحلم، فإن مصدر الطاقة الرئيس لبيلاوروسيا حتى الغد! هي روسيا الاتحادية، التي تزود البلاد بمنتوجات أخرى عددها غير قليل.
 عشت في موسكو عاصمة الاتحاد السوفيتي السابق وجمهورية روسيا الاتحادية حاليا وكما كانت على الدوام، سنوات ست، ولم يتسن لي إطلاقا السفر إلى بيلاوروسيا رغم الفرص العديدة التي كانت متاحة آنذاك، ولكن لأنني عشت في موسكو وخبرت نمط العيش فيها، وعلى علم بالطراز العمراني الراسخ في ذاكرة كل من عاش تلك الفترة في موسكو أو أي مدينة سوفيتية أخرى تعيش وفق آليات الضبط المركزي السوفييتي، فقد تسنت لي مقارنة النمط السوفييتي السائد أيام دراستي الجامعية مع بيلاوروسيا الجديدة كما تبدو عليه اليوم وهي تسعى إلى تحقيق الرخاء لمواطنيها، من خلال مينسك العاصمة ومبانيها وتخطيطها العمراني الحديث. في مينسك تشعر بالفرق بين مباني المدينة القديمة، إذا صح لي أن أسميها، وهي المباني التي شيدت في الحقبة السوفيتية، ومباني المناطق الاستثمارية الجديدة التي تتميز بالجدة والحداثة.
 في موسكو كان التخطيط للشوارع وأرصف المشاة يحسب للتمدد العمراني المستقبلي فاستوعبه ولم تؤثر حركة النزوح للعيش في المدن الكبرى على حركة السير في الشوارع بشكل مخيف، كما هو الحال في الكثير من الدول العربية، رغم منذرات تدفق مختلف ألوان السيارات التي كانت محدودة في أيام الاتحاد السوفيتي. هذا ما شهدته أيضا في بيلاوروسيا، فشوارعها في غاية التنظيم، اقتطعت لها مساحات كبيرة تحسبا لتزايد أعداد وسائل النقل واستباقا للقادم من السنوات، إذ أن هذه الطرقات تلبي حاجات الاستخدام على مدى أكثر من مئة عاما من الآن، بحسب ما يلهج به المواطنون البيلاورسيون في فخر واعتزاز.
 جمال بيلاوروسيا في الشتاء، كما يقول أبناؤها، لا يقل عنه في الصيف، لذا يتطلب الأمر التفكير من الآن في زيارة أخرى في فصل الصيف لكي يتاح لي الاستمتاع أكثر بالمناظر التي أخفاها الشتاء عن ناظري.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها