النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10971 الثلاثاء 23 أبريل 2019 الموافق 18 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

على شواطئ بحر قزوين.. كان يغني أحمد

رابط مختصر
العدد 10903 الخميس 14 فبراير 2019 الموافق 9 جمادى الثاني 1440

«إن الحرية، وهي عندليب يغني بصوت عملاق، قادرة على إيقاظ من يغطون في نوم عميق.. هل يمكننا أن نفكر اليوم في أي شيء غير الكفاح من أجل الحرية أو ضدها؟ ومن لا يحبون الإنسانية قد يكونون عظماء إذا ما تحولوا إلى طغاة. ولكن هل بوسع أحد أن يقف موقف عدم الاكتراث؟». 

 لودفيغ بورن/‏فبراير 1831

لا تحمل حكاية أحمد «الامير الصغير» الجديد من قصص الالم والخطايا والعذابات الايرانية، ولكنها مثل كل القصص الحالمة المشحونة بالأمل المتكسر عند حدود الماء، او في سقف هذا العالم المتشح بالسواد والغيوم الرمادية، فما عادت بساتين قزوين تضوع برائحة الياسمين والجلنار، ولا بأغنيات المساء المنبعثة من النافذة، مع صوت فتاة تنتظر الغياب المجهول الموجع، ولكن معصومة رؤوف تسرد لنا فجيعتنا وفجيعتها، توقظ فيها المنسي والنائم عن حكايات تسكن في قلوب داستها الوحشية، كما فعل نظام الملالي في ايران مع الآلاف من الضحايا، فقد كان الشاب أحمد العشريني يعيش في إحدى المدن الواقعة على شاطئ بحر قزوين شمال ايران، لم يكن يعلم بعاصفة مدمرة عنيفة سوف تجتث احلامه وحياته، ففي الثمانينات وهو في مقتبل العمر ظل يلاحق فراشات الحقول الصفراء في الخريف وسماء وزرقة البحر المجاور لقلبه منذ نعومة اظفاره، كان يرى في تلك الموجات الراحلة طيور المواسم القادمة من بيوت الثلج نحو سماء مدينته الدافئة في الصيف. في تلك السنوات المشحونة بحماس الشباب انضم احمد، الفتى الحالم، الى انصار مجاهدي خلق وانتهى مشواره الى مجزرة السجناء السياسيين عام 1988 في ايران. بعد انتهاء الحرب الايرانية العراقية اصدر الخميني فتوى بإعدام جميع اعضاء مجاهدي خلق الذين كانوا في السجون إذا بقوا ملتزمين بفكرة مجاهدي خلق، وأمر -في نفس الفترة - الخميني بتشكيل لجان لتنفيذ هذه الإعدامات، تلك اللجان التي تحولت الى «لجان الموت» وكان نتيجة عمل هذه اللجان إعدام اكثر من ثلاثين الفا من السجناء السياسيين الذين كانت اغلبيتهم الساحقة من أعضاء مجاهدي خلق، وقد كانت السنة الفائتة (1988-2018) مرور ثلاثين سنة على ذكرى المجزرة المشؤومة. كان على شقيقته معصومة رؤوف أن تصبح بعد قتل احمد «الراوية» الحية، وهي تسرد في تلك النصوص المفعمة بالمرارة والغضب والطيبة والحسرات المنشورة فوق اسقف بيوت الجيران في قزوين، ظلت تواصل تنقلها في الرواية بين ازمنة مختلفة لحياتهما العائلية، وشقاوة الطفولة في حوش البيت وازقة الحي، ظلت في داخلها دفاتر احمد الغائب وأقلامه، حية تشاغبها الحلم واليقظة، فنجد عالما متسعا في زمن الراوية المتنوع الرهيف بين الحاضر والماضي، الطفولة والصبا، في سرديات تعتمد البساطة بمخيلة عفوية كبراءة الاطفال، لراوية تنوب اخاها في سرد حياته، تتنقل معصومة في «رواية الامير الصغير في ارض الملالي»، فتبدو الرواية وكأنها كتبت للصغار ولكنها في حقيقتها ليست رواية للاطفال، كما تقول معصومة حول قصتها المصورة: «أن نفهم بكل حواسنا حقيقة لا يمكن للعقل أن يضعها في متناول اليد». الرواية من خلال شخوصها الحقيقية تتحدث عن نفسها، تنسج صورا ومشاهد عن تلك الكوارث الانسانية التي حلت بالملايين من الايرانيين أمام اعيننا بشكل بارز، كما اشارت «انغريد بيتنانكور» في مقدمة الكتاب. كان من حظ وقدر «الامير الصغير» أن تنجح اخته في الهروب من السجن رغم فقدان الام روحها تحت وطأة الجلادين العتاة.. كان عليها ان تهرب نحو هذه اللحظة من السرد البعيد، المشحون بتوترات اللحظة الروائية والحياتية لمعصومة وعاطفتها المتقدة تجاه خسران اخيها وفلذة كبدها، الذي تعلمت معه صورًا من ظلال الحب والامل، رأت من خلاله حياة شعبها ومآسيه حتى هذه اللحظة. معصومة توثق تاريخًا حيًّا مؤلمًا عبر الادب، حين يصبح الرواة نبضا حيًّا للحقيقة بروح من الخيال الطفولي لشخصيات عاشت بيننا وما زالت تعيش مع الغياب في ذاكرة الامس واليوم. وحدها معصومة رؤوف دون غيرها، تسمع صوت احمد يغني لها ومعها، فتتذكر بيت الالفة في مدينتهم على شواطئ بحر قزوين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها