النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

فاسدون في مزاد الشرف..!!

رابط مختصر
العدد 10901 الثلاثاء 12 فبراير 2019 الموافق 7 جمادى الثاني 1440

حدثان نتوقف عندهما، الأول في الكويت، والثاني في العراق، الرابط بينهما موضوع الفساد الذي بات جاثمًا على الصدور والأنفاس الأمر الذي جعله أهم وأكبر وأخطر الملفات والقضايا، وهو الموضوع الذي لم يعد من الضروري أن نلتمس الأدلة والإثباتات للتوغل فيما يعنيه الفساد وأسباب تجذره بشكل عميق في المنطقة العربية، والحاجة الملحة لتجفيف منابعه وضرورة العمل على خلق بيئة مجتمعية تشجع على النزاهة والشفافية، ومحاربة الفساد الشاخص أمام الأعين وبشكل بالغ الفجاجة حتى صار معقولاً وعاديًا كل ما ليس معقولاً وليس عاديًا، وكم هو بالغ السوء حين تكون المواقف من الفساد لا تقل قبحًا عن الذنب..! 

الحدث الأول، إعلان دولة الكويت عن أول استراتيجية وطنية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، هذه الاستراتيجية دشَّنها سمو أمير دولة الكويت في مؤتمر الكويت الدولي الأول لمكافحة الفساد الذي انعقد تحديدًا في 15 يناير تحت شعار «النزاهة من أجل التنمية»، ركزت هذه الاستراتيجية على أربعة محاور شملت 13 أولوية و48 مبادرة ويمتد تنفيذها حتى عام 2024، وللإحاطة فإن من ضمن محاور 

الاستراتيجية، ضمان الحصول على المعلومات، وتعديل النصوص المنظمة للحملات الانتخابية، والوقاية من الفساد في المناقصات العامة، وحماية المبلغين عن الفساد، وتشجيع تطوير آليات وقائية مبتكرة لمنع الفساد، ومراجعة شاملة لإجراءات وآليات التوظيف والتعيين والترقي على أسس الكفاءة والجدارة، وغرس القيم المضادة للفساد بما يحقق شراكة قوى المجتمع المدني في محاربة كل أشكال الفساد.. 

في المؤتمر المذكور وحتى على هامشه طرحت رسائل قديمة متجددة، خلاصتها أن الفساد يقترب كثيرًا من معنى الخراب، وما أن يدخل على شيء إلا دمره، وتلاعب في أساسياته، وأن التهاون في مواجهة الفساد يصيب عصب استقرار الدول التي تتلكأ عن المواجهة ولا تقترب من الفاسدين او تهادنهم او لا تقترب منهم او تدفع الى نهايات غامضة لملفات من تفوح رائحتهم بالفساد والإفساد، خاصة أولئك الذين يندرجون تحت فئة «VIP»، والأسوأ حين يكون هؤلاء من يفترض أنهم يحملون المسؤولية بكل أمانة وشرف وإخلاص ولا يخشون في الحق لومة لائم .. !!

الرسائل التي تخص الفساد لا تنتهي، وبوسعنا أن نأخذ راحتنا في عرض قائمة طويلة من صور وأشكال ومضار الفساد المالي والاداري والأخلاقي والسياسي التي ما انفكت تطرح في مناسبات كثيرة من مؤتمرات واجتماعات وندوات ولقاءات وورش عمل وتحليلات وتصريحات ومقالات ودراسات كلها تكاد تجمع على أن الفساد يقوض الدول، ينال من عافيتها ويهدد من مناعتها ويبدد ثرواتها والمستنزف الاأول لمواردها وطاقاتها، وطارد للمستثمرين، وضارب لمنظومة القيم الأخلاقية وحقوق الانسان، وعائق لكل جهود التنمية في التقدم والرقي، وباعث على الاحتقان والإحساس بالظلم والإحباط ورفع مستويات البطالة والفقر، والأسوأ والأخطر حين يصل الأمر بأن تكون الإرادات والإدارات فاسدة، والرقابة فاسدة، والعدالة فاسدة، ومؤسسات مجتمع مدنى فاسدة، والسياسة فاسدة، وكأن الفساد بات شرًا لا بد منه، وهذا يعني أن أي محاولة لمحاربة الفساد هي حرب دونكيشوتية أبطالها فرسان طواحين الهواء، وهذا يعني أن المهمة مستحيلة، وهنا قمة المشكلة والمأساة..! 

نعلم جيدًا بأن واقع الحال هذا تعاني منه العديد من البلدان التي ابتليت بطبقة سياسية فاسدة جعلت الفساد مورد رزقها يؤمن لها تخمة في الأرصدة، عبر الصفقات والتعهدات والمشاريع والعمولات، وفي هذا السياق نتناول الحدث الثاني الذي يتمثل في تقرير أصدره مؤخرًا مركز للدراسات الاستراتيجية في إحدى الجامعات العراقية أجرى بحثًا عن عن الفساد في العراق أعده فريق بحثي من 37 باحثًا وخبيرًا، من أهم ما خلص اليه هذا التقرير أن وزارات ودوائر حكومية وهيئات مستقلة ومحافظات ومجالس محافظات وبلديات وهيئات مستقلة من أعلاها الى أدناها، وحتى نقابات واتحادات وجمعيات نفع عام كلها متورطة ومتدنّسة بالفساد المالي والاداري، والكل يحتمي ببيئته الحاضنة..!!

لم يقف التقرير عند ذلك الحد بل ذهب الى أن جرائم الفساد الناتجة عن استغلال النفوذ وتجاوز حدود الوظيفة هي أكثر جرائم الفساد شيوعًا، والموظفون مرتكبو هذه الجرائم ليسوا الصغار او المتوسطين بل الكبار في المقام الأول، سياسيين، وبرلمانيين، ووزراء ووكلاء وزارات، رؤساء مؤسسات ومدراء عامين، كلهم استغلوا مناصبهم وتجاوزوا حدود صلاحياتهم ووظائفهم، وكأن قيمة المسؤولية غائبة عن الوعي العام، ولم يخضع من يفترض أن يخضع للمساءلة لأي نوع من المساءلة ولو ودية، مكتفين على ما يبدو بالصراخ الفارغ والذي لا يصيب فاسدًا ولا يعكر مزاجه ولا يلحلح وضعًا الى الأفضل..!

بالتمعن في الحدثين المذكورين علاوة الى ما هو شاخص أمام أعين الجميع هنا وهناك وهنالك، يمكن أن نتوصل الى خلاصة، لم يعد من فائدة او نتيجة مرجوة من الاستمرار في الحديث عن حرب لن تُخاض ضد الفساد الذي استشرى وتوحش وأصبحت رائحته تفوح من كل صوب، وجعل الفساد مطمئنًا الى ديمومته وكأنه قدر مكتوب على الجميع الى درجة أنه بات مألوفًا أن تمر أمامنا الكثير من المشاهد نجد فيها فاسدين وهم يتحدثون او يحاضرون او يكتبون او يتمنطقون بكل ما يحث على الطهارة والعفة والنزاهة وكأنهم في مزاد الشرف يتسابقون، إنها فعلاً قمة المأساة.. مأساة ان نعيش حرباً «دونكيشوتية» ضد الفساد..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها