النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

الكراهية السوداء

رابط مختصر
العدد 10900 الإثنين 11 فبراير 2019 الموافق 6 جمادى الثاني 1440

بحزنٍ عميقٍ وشديدٍ رحل عنا بموت غادر الدكتور والروائي والكاتب العراقي علاء مشذوب صاحب مؤلفات الجسد صورة وسرد، وكتاب موجز تاريخ كربلاء الثقافي وروايات عدة عناوينها تنطق مضمونها السواد المحاك بالهلاك في رواية «مدن الهلاك والشاهدان» ورواية «شارع أسود» و«جمهورية باب الخان» ورواية «انتهازيون ولكن»..! لقد تم اغتيال مشروع ثقافي وإبداعي دون مشاعر بالقيمة التاريخية للانسان المبدع، بنفس الروح التي قتلوا فيها فرج فودة بدم حاقد..

وبنفس الأقنعة التي ارتدوها عندما قتلوا حسين مروة.. وبذات الأسلحة التي اخترقت الرصاصات جسد مهدي عامل.. بنفس الكراهية وثعابينها تسللت في المساء تلك الوحشية، لكي تخترق ثلاثة عشر رصاصة سوداء جسد علاء.. تسربت كل بقع الدم في أرض كربلاء لتضيف لحزنها حزنًا جديدًا طقوسيا.. جرحًا غوره في الفضاءات البعيدة وفي بكاء أرض «اليباب». ألا يكفيك.. ألا يكفيها كربلاء زمن الحزن المدمر الطويل واللطم والبكاء والعويل. مات الكاتب وصمت صوته.. ولكن الحرية لا تموت ولن تتوقف الكتابات المتمردة.. صمت صوت علاء الشجاع ولكن مجرى نهر الفرات ودجلة يظلان يغنيان أبدًا كلماته.. نغم الحرية الذي هز أركان الطغاة وبيوت الظلام.. فتقرع أفئدتهم الميتة.. يموت علاء في يوم كربلائي مثل كل أيام السنة السوداء، فحزن علاء بات من حزن كربلاء (حزن المدينة والتاريخ).. فكل الجثامين المشبعة برائحة الدم ترتطم بجدار الذاكرة الكئيبة، بقشعريرة المدن العراقية المذبوحة بالجوع والحسرة. بيوت الفقراء الذين أحبهم علاء..

كتب عنهم علاء.. 

مات من أجلهم علاء..

بيوت الفقراء، لن تتوقف عن ترانيمها الموسمية المقدسة، ومن أطفال تلك الأرض التي أنجبته يولد ألف علاء. لن يترك الشعب الخناجر الدامية فوق أعناق الوطن. ثلاثة عشر رصاصة عنوان وتاريخ كريه بغيض في تاريخ مدن الكراهية المتشحة بسواد الحزن.

أحسست بالأسى في ذلك اليوم ليس من أخبار غرق القرى بفيضانات الماء في الامازون.. بمدن دمرها العسكر والمليشيات بالخراب، بفاجعة موت طابور الأطفال والنساء تحت الطين وركام الأسقف المنهارة، وإنما يحزنني أكثر «قتل الموهبة والإبداع» فذاكرة ذلك الانسان المبدع هي بوابة الحضارة في الوطن برمته، من يكتبون شعرًا.. سردًا روائيًا لوحة فنية من الألوان لحنًا في روح الزمن، هؤلاء ليسوا من طينة الناس العاديين، إنهم خسارة كبرى لا تعوض، ومن قرروا اغتيال الدكتور والروائي علاء مشذوب، إخماد صوته الهادر، يظنون أنهم قتلوا الحقيقة وأسدلوا الستارة على فضيحتهم، لعلهم يوقفون زمن تلك الساعة المعلقة على جدران العراق وبيوته. كيف سيقتلون رواياته؟! من أين لهم القدرة على خنق نبض كلماته، فبيوت الناس تتبخر حزنًا برحيله وغدًا تغرد طيور الربيع في البساتين. جاء خبر وتاريخ اغتيال علاء في نفس الفترة التي تستقبل فيه مدينة عربية أخرى بابا الفاتيكان، لتبدو المفارقة العربية عجائبية!! مدينة متشحة بسواد الرعب والقتل والموت اليومي ومدينة أخرى تتسامى نحو العلا بروح التسامح والنور والغفران.. هكذا بدت صلاوات البابا وتمتمته في فضاء مدينة ابوظبي عاصمة دولة الامارات العربية، مباركة بالانسانية والتعايش والإخاء وبروح من السلام والطمأنينة.. فمن أين لك يا أبوظبي كل هذا التسامح الكبير للعالم.. هذا التلاقي والتعايش الانساني بين الاديان؟ في زمن الحرية تبكي في مدن أخرى طرقات عمّدها الدم المسفوح مجانًا.. وببساطة متناهية تنتزع روح الانسان.. والقتلة يفتخرون بأنهم يمجدون الحقيقة المزيفة يرفعون رايات مقدسة في مدن ينبغي أن تموت من الصمت.. مدن تموت خائفة من سموم العقارب. 

المفارقة العجيبة الغريبة عربيًا، كيف يتجاور الدم والكراهية مع الغفران والتسامح في ساعات متقاربة في لحظات متساوية في ضمير الكون. تهزنا المشاهد العربية التي كثرت فيها المأساة وتناثرت فيها «لوحات ورسومات القتل والاغتيال»، فصرنا عطشى نشتاق لرؤية طيور الملائكة تغني في حوش وأرض الله الواسعة بقمصان البراءة.. صرنا كالباحثين عن الحلم والأمل في دنيا الشتات الأزلي. يموت الكاتب الروائي علاء ولكن روحه تنتصب واقفة، تعزف أغنية الحرية أمام بطش الاستبداد في مدينته.. في وطنه... في كل بقعة من العالم الحر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها