النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

جنـــــون الكراهيــــة

رابط مختصر
العدد 10898 السبت 9 فبراير 2019 الموافق 4 جمادى الثاني 1440

تعودنا على حالة العداء الإيراني المستفحل تجاه العالم العربي، لكن الأشهر الأخيرة حملت معها اتضاح معالم حالة عداء أخرى قد لا تكون أقل ضراوة، تمثَّلت في تكشير السياسة التركية ضد العالم العربي عن أنيابها، حيث كانت ظروف الموت المأساوي لجمال خاشقجي فصلاً واضحًا من فصولها، وقد تابعنا بقلق الطريقة التي أقدمت السلطات التركية على تسربت التفاصيل الشائنة والشائعات والأكاذيب حول هذه الحادثة، وفقًا لطريقة شيطانية ترمي من خلالها إلى إحداث أقصى أذى ممكن لسمعة المملكة العربية السعودية وحلفائها، ولكن في الحقيقة، كثير من تلك الادعاءات تم دحضها بسهولة، مثل الادعاء المستحيل بأن موت خاشقجي قد تم تسجيله على ساعته الـ«آبل». وحتى الآن، ورغم مرور عدة أشهر على الحادثة، ما زلنا نشهد بين الفينة والأخرى تسريب الشائعات المغلفة بالحقائق حول هذه الحادثة.

في سوريا قام الرئيس أردوغان بإقناع ترامب بالسماح للقوات التركية بأن تحل مكان القوات الأمريكية في شرق سوريا، وهو ما يعني فعليًا احتلال الأتراك للأراضي العربية والكردية، وربما إلى أجل غير مسمى، وقد تآمرت تركيا مع إيران وروسيا من أجل استبعاد الدول والقوى العربية من عملية السلام السورية، مما يجعل من المستحيل تقريبًا بالنسبة للعالم العربي أن يكون له رأي في مستقبل هذه الدولة العربية.

عندما أزور أوروبا، كثيرًا ما أسمع عن المواجهة العربية الإيرانية التي وصفت بأنها حرب بالوكالة، كما لو كان كلا الجانبين على نفس الدرجة من السوء، لكن هل تمول دول الخليج العربي وتسلح الميليشيات الطائفية من أجل تقويض الدول المجاورة؟ السؤال الحقيقي هو لماذا لم يفعل العالم العربي الكثير في الوقت الذي ترعى فيه إيران كيانات متشددة في العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن والله وحده يعلم أين أيضا، كما تمول إيران عشرات القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام التي يبدو أن هدفها الوحيد هو مهاجمة الدول العربية وقادتها، وقد استخدمت إيران وكلاءها في اليمن لإطلاق مئات الصواريخ على السعودية، بما في ذلك الصواريخ الموجهة إلى الرياض وأقدس المدن الإسلامية: مكة المكرمة والمدينة المنورة.

لماذا تكرهنا هذه الدول كثيراً لدرجة أن إيران أفقرت مواطنيها لشن حرب ضد العالم العربي بأكمله، هذا العالم الذي من خلال القصور الذاتي، والحذر، والارتباك، أو طبيعته السلمية، لا يميل إلى الرد؟.

أتذكر منذ العام 2006، عندما كانت الصواريخ الإسرائيلية تتساقط على لبنان، كان العالم العربي لا يزال يميل إلى اعتبار حزب الله «مقاومة إسلامية» قومية تسعى لتحرير فلسطين واسترجاع القدس، لقد تجاهلنا التمويل الأجنبي وأنكرنا إمكانية قيام حزب الله بتنفيذ أجندة خارجية، حتى أننا تجاهلنا حقيقة أن حزب الله تسبب أساسًا في اندلاع هذا الصراع الذي دمر الكثير من بيروت وقتل المئات وربما الآلاف من المواطنين الأبرياء. في ذلك الوقت حل الرئيس أحمدي نجاد في مقدمة الزعماء العرب الأكثر شعبية في استطلاعات الرأي بالعالم العربي!، لقد أصبحنا الآن أكثر وعيا بحقيقة إيران وقادتها السياسيين والدينيين لكننا تأخرنا كثيرًا في ذلك.

في معظم الفترات خلال القرون الــ 14 الفائتة، كانت كل من إيران وتركيا ومنطقة الخليج العربي جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإسلامية الواحدة، سواء تحت حكم الخلفاء الراشدين أو الأمويين أو العباسيين، أو مجموعة متنوعة من العائلات، وفي معظم الأوقات كانت تلك العائلات مزيجًا من أصول عربية وتركية وفارسية، ويتم التحدث بالعربية والفارسية والتركية بالتبادل في مراكز السلطة، واختلطت أعمال العلم والأدب والشعر والنقاش الفلسفي واللاهوتي والسياسي بين تلك الألسنة الإسلامية، وكانت اللغة التركية العثمانية محملة للغاية بالمفردات العربية والتعابير الفارسية لدرجة أنه كان من الصعب تمييزها كلغة قائمة بذاتها، وكانت تكتب بالحرف العربي، وبالمثل، هيمنت مفردات اللغة العربية على اللغة الفارسية، كما هو الحال في اللغات الإقليمية الأخرى مثل الأردية والكردية والأوزبكية وحتى السواحيلية، وهذا دليل على حقيقة أن هذه المناطق النائية من إفريقيا إلى شرق آسيا كانت كلها جزءًا من حضارة إسلامية واحدة.

عندما يتعلق الأمر بالفلاسفة والعلماء المسلمين مثل ابن سينا، فإن كل من العرب والفرس يقولون إنه ملك لهم، وفي الواقع إن كثيرًا من هذه الشخصيات العظيمة كان دم عربي وفارسي وتركي يجري في عروقها، وتحدثت تلك اللغات بالتبادل، ومن المنطقي بالنسبة لنا الآن أن نفكر في التمييز العربي الإيراني الثنائي، لكن في الأجيال السابقة لم تكن هذه الأسئلة منطقية.

لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم، آخر الكتب السماوية، باللغة العربية، على النبي العربي الكريم آخر الأنبياء المرسلين، كما أن الخلفاء الراشدين كانوا جمعيهم عربًا بمن فيهم علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، لذلك فإن العداء التركي والفارسي للتراث العربي يمثل الكراهية لجزء لا يتجزأ من عقديتهم الدينية، وهذه مفارقة غريبة.

إيران نفسها ليست دولة فارسية متجانسة، بل هي مزيج من الأعراق العربية والتركية والأذربيجانية والبلوشية والكردية والتركمانية والأرمنية ومئات من الهويات الدينية والعرقية المختلفة، وذلك على الرغم من استماتة النظام هناك من أجل القضاء على هذا التنوع أو إنكاره، بالمقابل على مدى مئات السنين كان بحر الخليج العربي بحيرة عربية بالكامل، والشعوب التي تعيش على طول الساحل الغربي لإيران تنحدر من أصول عربية، بما في ذلك الهولة الذين يشكلون اليوم عنصراً هاماً ومتكاملاً من سكان البحرين.

وبالمثل، فإن التركيز على القومية التركية ينبع جزئيا من الشعور بانعدام الاطمئنان حول الأصول المتجانسة للجمعات التي شكلت الشعب التركي، فالعثمانيون لم يحتلوا الأناضول مثلاً حتى وقت قريب نسبياً من الناحية التاريخية، حيث قاموا بتشريد أو استيعاب الشعوب التي كانت قد احتلت في السابق هذه المنطقة التي كانت ذات يوم تتحدث إلى حد كبير باليونانية، وليس المقصود هنا التقليل من شأن التراث الفارسي أو التركي، وإنما ببساطة التأكيد على مدى ترابط ثقافاتنا وتاريخنا.

في بعض الأحيان تكون النزاعات بين الأخوة هي الأكثر مرارة وشخصية. إن دعاية النظام الإيراني تقوم حول شيء واحد هو «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، إلا أنها تخدم أهداف إسرائيل من خلال إظهار نفسها على أنها مهددة بالموت والإزالة، بالمقابل يتصاعد غضب الإيرانيين العاديين من الطريقة التي يهدر بها النظام أموالهم في مغامرات أجنبية ضد جيرانهم.

ربما يكون أملنا الأفضل في الإيرانيين والأتراك العاديين أن يدركوا أن العالم العربي ليس عدوًا، وأننا في نهاية المطاف إخوة وأخوات لدينا نفس التراث المشترك، وفي يوم من الأيام ستكون لدينا الحكمة للتغلب على هذه الاختلافات التافهة، وعندما نكتشف ذلك سنكتشف حقيقة بسيطة مفادها أن العالم الإسلامي يمثل واحدة من أكبر القوى وأكثرها قوة على الساحة العالمية. إن القوى الفاعلة على الساحة العالمية الآن هي أمريكا وأوروبا وروسيا والصين، دعونا نعمل ونأمل أن يحل دورنا قريبًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها