النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

الحرب الباردة من جديد

رابط مختصر
العدد 10898 السبت 9 فبراير 2019 الموافق 4 جمادى الثاني 1440

بسقوط الاتحاد السوفيتي بعد التسعينات، من القرن الماضي، تفاءل الكثيرون بمرحلة سلام ووئام جديدة في العالم، لكن لا سلام مع جنون الأطماع والمصالح، فمن طبع البشر التسلط والسعي الى الهيمنة ومد النفوذ والسيطرة، وهناك الأنانية التي تقود الى حب الاستحواذ على الثروات. وهذا ما يفسر أسباب الحروب الكثيرة التي خاضتها الأمم المختلفة عبر التاريخ، ناهيك عن الحربين العالميتين اللتين ذهب ضحيتهما ملايين البشر. 

العقد الأول من القرن الحالي خيب كل الظنون الطوباوية للسلام الدائم، فالمشهد العالمي يشهد عودة الحرب الباردة بين القطبين الذين قادا الحرب الباردة، وبقوة، نأمل ألا تهدد العالم بحماقة حرب عالمية ثالثة. النار الكبيرة تبدأ من شرارة. 

كانت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، منكفئة في حالها ترمم اقتصادها وتنشغل بأوضاعها الداخلية، بعد أن كفت يدها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، تحت أي أعذار كانت. ولم تعد روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، صاحبة مبدأ يدعو الى العدالة والاشتراكية والدفاع عن مصالح البروليتاريا في العالم. لقد انتهت حرب المبادئ الأممية من بين القطبين، (كانت الولايات المتحدة تتحدث بدورها عن غياب الحريات وانتهاك حقوق الإنسان في الدول الاشتراكية). 

هدأت زوبعة الحرب الباردة فترة من الوقت، وشهد العالم متغيرات كثيرة في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. وأخذت الدول بالاندماج والتآلف، لكن العقد الأول من هذا القرن بعث إشارات مخالفة سلبية ستؤدي الى حرب باردة أخرى، إن لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل. لكنها هذه المرة هي حرب مصالح لا حرب مبادئ. وقد تكون هذه الحرب أسوأ لأنها قائمة على المنفعة والتكالب على الثروات، إنها حرب ثروات أكثر من أي شيء آخر. 

روسيا خرجت من صمتها وقلقها وأوجاعها الداخلية ودخلت في المشهد العالمي بقوة، ورسمت لها برامج ومخططات جديدة في رقع واسعة في العالم، تمتد من سوريا والشرق الأوسط الى فنزويلا في القارة الأمريكية: (تستثمر روسيا في فنزويلا بالمليارات في مجال المحروقات والأسلحة). كما تمد روسيا نشاطها الى القارة الأوروبية: يتهم الغرب روسيا بالسعي الى تفكيك الاتحاد الأوروبي، عبر بوابتها القديمة، أوروبا الشرقية. 

إذن روسيا الآن استرجعت عافيتها السياسية، وهي تمد ذراعها الى الداخل الأمريكي والغربي. قد تكون تهم التدخلات والنوايا الروسية السيئة مبالغ فيها، لكن الواضح الآن أن روسيا اليوم، هي غير روسيا الأمس. روسيا اليوم تريد استعادة مجد الاتحاد السوفيتي، وهي الآن تقف ندًا للولايات المتحدة والغرب كما كانت تعمل في الحرب الباردة الأولى، وهي موجودة في الصراعات الإقليمية المشتعلة في العالم: (جريدة الأهرام القاهرية تحدثت مؤخرًا عن وصول طائرات وذخائر روسية الى عدة مطارات في فنزويلا، بعد إنذارها للولايات المتحدة بعدم التدخل في فانزويلا، تدفعها الى ذلك المصالح لا المبادئ، وترسانة من الأسلحة المتطورة الموروثة من الاتحاد السوفيتي، والمطورة حديثا). 

الرئيس الروسي دأب في الفترة الأخيرة على استعراض صواريخه العابرة للقارات برؤوسها النووية، وهو يطور أسلحة أكثر كفاءةً وفتكًا، وهو من أجل مصالحه لا يتردد في الدفاع عن نظام دكتاتوري معروف فيه كل مواصفات الدولة الدكتاتورية بامتياز وتفوق، فالنظام السوري هو أحد نظامين هما الأكثر استبدادًا في الوطن العربي. روسيا في سوريا تدافع عن مصالحها، فلها استثمارات كبيرة فيها. وبين البلدين (خطط استثمارية بعيدة المدى في حقول النفط والغاز)، وهناك الاستثمار الصناعي. لقد تنكر الرئيس الروسي عن تراث بلاده في دعم الشعوب المغلوبة على أمرها، فالمصلحة هي اللغة الأكثر تداولاً في المشهد العالمي اليوم. العدالة الاجتماعية التي حارب من أجلها أسلاف بوتين تتماها كثيرًا في أفقه، إنها أضغاث أحلام قديمة. 

هكذا هي التراجيديا فهي تختلط بين الجد والهزل، فها هو الرئيس بوتين يستخف بعقولنا قائلاً إنه يدافع عن النظام الشرعي في سوريا! إذن فتدخله في هذه الحالة منطقي ولا غبار عليه. ولا ندري كيف يفسر هذه الشرعية التي تقتل وتشرد الملايين من أجل التشبث بالسلطة. كل الدول الكبرى تتبع مصالحها، والأقوى له حصة الأسد: إنها شريعة الغاب.

الولايات المتحدة بدورها ترسم قراراتها على هذا الأساس، ورئيسها يجاهر ويفاخر بشعاره البراغماتي: أمريكا أولاً. والدول الغربية تتواطأ مع إيران لأن مصالحها الاستثمارية تتطلب عدم الخروج من الاتفاق النووي، وهي تمعن في هذا الموقف السمج، فتحاول الالتفاف على الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة. وروسيا تقف في صف إيران من أجل مصالح اقتصادية: تعاون مصلحة. 

كل المواقف قاعدتها المصلحة والعقلاء في العالم يحذرون: إنه توجه مخيف إذا لم توازن الدول بين مصلحتها ومصلحة العالم والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وأن تبني سياستها على هذا النهج. الوضع العالمي ليس آمنًا، ولن يبقى آمنًا. فقد تقود هذه المصالح الى مواجهات عسكرية، بخاصة في وجود قادة تهيمن عليهم غطرسة القوة. وفي هذه الحالة ستكون حربًا عالمية ثالثة تنهي الحياة على هذا الكوكب شديد الإضطراب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها