النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

من نحن وماذا نريد؟

الأسئلة المزيفة في مواجهة الواقع المركب

رابط مختصر
العدد 10895 الأربعاء 6 فبراير 2019 الموافق غرة جمادى الثاني 1440

لا أدري إلى متى نظل ندور في حلقة مفرغة نطرح ذات الاسئلة التي طرحها جيل الاباء كما جيل الأجداد مع تغيير في المصطلح والصياغة؟ نحن كعرب ومنذ بداية القرن 19 كنا نطرح ذات الاسئلة: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا؟ كيف يمكن لنا ان ننهض من دون الخروج عن نطاق الاسلام الذي يشكل هويتنا؟ هل يمكن ان نتقدم من دون ان نأخذ من الغرب ونسير سيرته؟.

وعند الاجابة عن هذه الاسئلة تنقسم الاجابات وتتنوع بحسب الاتجاهات والمدارس

فهنالك من قال إننا تخلفنا لأننا لم نأخذ بالتنظيمات التي اتبعها الغرب في ادارة الدولة ولأننا كنا نسير على البركة. وإننا تخلفنا لأننا جنحنا الى الحكم الاستبدادي الذي يتقاسمه الحكام ورجال الدين. وهنالك من يرد التخلف الى الارتباط بفكر ديني متحجر متخلف ولذلك يعود الى إعادة فتح باب الاجتهاد.

وبعد سقوط الخلافة الاسلامية في العام 1920 ومع نمو تيار الاسلام السياسي كان واضحًا ان الجواب أصبح على النحو التالي: لقد تخلفنا لأننا تركنا الاسلام وتخلينا عن الشريعة السمحاء، وان الحل يكمن في العودة الى الاسلام الصافي والنقي، بإحياء العصر الذهبي للإسلام وإقامة حكم الشريعة. كما أضاف الإسلام السياسي الى الاسئلة التقليدية السابقة سؤالاً آخر وهو: من نحن؟ وما هي هويتنا؟ وأصبحنا من ذلك الوقت نطرح نفس السؤال وصولاً الى عصر العولمة والمواطنة العالمية. بكل ما يطرحه هذا السؤال من اشكالات ترتبط بالوطنية والقومية والنزعات العالمية.

ولكن التيار الليبرالي رد هذه الدعوة وعن هذه الأسئلة بالقول اننا تخلفنا بسبب خلط السياسة بالدين وسيطرة الفكر الديني المحافظ، وانه لا حل إلا بأن نسير سيرة الغرب خيره وسره حلوه ومره، وانه ليس المطلوب منا إعادة اختراع العجلة فالطريق الى الحداثة واضح: الحرية، الديمقراطية، نشر التعليم وتعميمه، تحرير المرأة وفصل الدين عن ادارة شؤون الدولة، وإعادة النظر في إدارة الحكم، حيث كان محور الصراع الفكري حول مضمون النظام السياسي في مطلع القرن العشرين اختلافًا حول تحديد مصدر السلطات كلها.. ففيم كان بعض المفكرين يعتبرون أن مصدر السلطات جميعها ديني - فقهي (خلافة سياسية - دينية) وهذا الاتجاه لا يهتم بما سببته الخلافة للحضارة العربية الإسلامية وللعرب تحديدا من كوارث، وما خلقته من إشكاليات لا محدودة، ولذلك فصل أصحاب هذا التيار بين حلمهم وتصورهم والتاريخ المليء بالمآسي، فيما رأى آخرون أن مصدر السلطة دنيوي، وأن المسألة تعود في النهاية إلى العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. وهؤلاء كانوا يميلون إلى إلغاء الخلافة، بينما ارتأت المجموعة الثالثة أن السلطة مصدرها الشعب. وقد كان هذا الجدل بتياراته المختلفة مسايرًا لظهور القوميات على أنقاض الرابطة الدينية، ليس في العالم الإسلامي فقط، بل في كافة أنحاء العالم الجديد. ومازالت أصداء هذه المعركة متواصلة إلى اليوم وان خفت حدتها - رغم استقلال الدول العربية والإسلامية وإنشائها نظماً سياسية جديدة على شاكلة النظم الغربية - في الشكل على الأقل - فالإسلاميون مازالوا يحنون حنينًا ميثولوجيا إلى الخلافة، ويتصورون أنها حققت في الماضي العدالة والنظام المثالي والمساواة، ولذلك يرون الحاجة إلى استعادتها وإن طالت الموانع وتعددت، وهي رؤية لا تاريخية ومثالية، تنظر إلى التاريخ نظرة تقديس، تغفل عن رؤية التفاصيل والحقائق كما هي. 

إن الرؤية التقليدية غير قادرة على إعادة إنتاج فكر إبداعي جديد، لأنها لا تسمح بإعادة نظم الحوادث التاريخية وتحليلها من بشكل موضوعي إلا في الحدود التي لا تمس حقائق الإيمانية والمشاعر والأماني الدينية والحقائق المذهبية، في حين أن النقد التاريخي الموضوعي لا يؤمن بأي تحديد أو مراقبة للفعل الموضوعي خلال تحليله للحقائق ومقاربتها للتثبت منها وفقًا للنظر الموضوعي المجرد كما جرت بالفعل في كل الظروف ودون التحكم العاطفي والديني والحزبي أو المذهبي أو الطائفي.

لقد أحدثت (اللائكية) هزة جديدة فصلت الواقع العربي عن الحلم العربي باستعادة الخلافة، ولهذا بحث العرب عن حلم جديد يستعيضون به عن الأول، وهو الرابطة العربية أو الوحدة العربية أو الدولة العربية في بعدها المثالي كحلم مطلق، ولكن المشكلة أن النظم العلمانية اللائكية التي استوردها العرب من الغرب تحولت، في الغالب إلى نظم جوفاء فارغة من أي محتوى، ومثلما تحولت الخلافة إلى مجرد حلم وشعار مفرع من كل محتوى تتشبث به الطبقات المنهارة في المجتمع التقليدي، فإن النظام العلماني المستورد ما يزال أجوفًا مفرغًا من أي مضمون..

وحتى عندما تمكن بعض أصحاب المشروع الاسلامي من الوصول إلى السلطة في بعض البلدان فإنهم فشلوا فشلاً ذريعًا في إدارة شؤونه، لأن الفعل السياسي الواقعي ليس لعبة شعارات وأمان، ولذلك لم يشفع لهم تبني شعار الإسلام هو الحل، الذي طالما رفعوه ويقصدون به العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية في مجتمع فقير معوز، والعمل بالمبادئ الإسلامية في المجتمع، في محاولة للتطابق مع الماضي المتوهم، وليس مع الواقع المعيش، إيمانا بضرورة القيام بالواجب الشرعي لتحقيق الإصلاح، وإزالة التعارض بين مبادئ الشريعة، ولذلك تولى التركيز على الوصول إلى الحكم باعتباره الوسيلة الرئيسة لتغيير الأوضاع، ولكن هذا التيار سريعا ما تراجع بمجرد مواجهته للواقع، في لحظة الوصول إلى الحكم، حيث طبق فقط توصيات صندوق النقد الدولي، وليس أحكام الشريعة. ولذلك لم يكن غريبا أن يسقط الإسلام السياسي بسرعة في مواجهة التحديات المتراكمة وتعقد القضايا، وارتكاب نفس الأخطاء التي كانوا ينتقدونها بلا هوادة في المراحل السابقة، بما جعل مصداقيتهم على المحك حتى بين قواعدهم، إضافة إلى فشلهم الذريع في إدارة شؤون الدولة، واعتمادهم على منطق الجماعة كطائفة. 

وباختصار فإن العودة الى أسئلة البداية التي انطلقنا منها في هذا المقال، تحيلنا إلى أنها قد ظلت معلفة في فضاء الهواجس والحيرة من قبل الجميع، بل إنها قد تفضي بنا إلى القول بأنها في الأصل كانت أسئلة مزيفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها