النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

ظاهرة السترات الصفراء الفرنسية

انفلات الرأسمالية من عقالها الاجتماعي

رابط مختصر
العدد 10893 الاثنين 4 فبراير 2019 الموافق 29 جمادة الأول 1440

كشفت حركة السترات الصفراء في فرنسا وما رافقها من اضطراب وحتى عنف، أن أي محاولة من أي دولة – مهما كانت قوية ومتقدمة – لحل أو معالجة الأزمات الاقتصادية والمالية على حساب الناس، وخاصة من الطبقات المحتاجة ومحدودة الدخل، أصبحت مرفوضة وغير محتملة تمامًا، وتفضي الى احتجاجات التي قد تشهد مواجهات عنيفة وخسائر جسيمة، أكثر من تلك التي كانت ستجنيها الدولة من الضرائب او من الزيادات في أسعار المحروقات على سبيل المثال في الحالة الفرنسية، حيث باتت تلك الاحتجاجات في فرنسا تطالب برحيل الرئيس ماكرون الذي وجد نفسه معرّضًا لخطر الإطاحة به، بسبب تزايد موجة التمرد المشتعلة ضده.

وإذا كان السبب المباشر لاندلاع تلك الاحتجاجات غير المسبوقة في امتدادها وعمومها للأراضي الفرنسية إلى قرار رفع أسعار الديزل وفرض ضريبة جديدة على البنزين، فإن الحقيقة التي أثبتتها الأحداث اللاحقة تعود إلى اعتبارات عديدة أخرى اقتصادية واجتماعية، تنبع من حالة الإحباط الواسع لشرائح كبيرة من المجتمع الفرنسي، الذي لا يتحرك من داخل منظومة الأحزاب التقليدية أو من خلال منظومة النقابات العمالية التي تجاوزتها الأحداث. هذه الشرائح بدأت تشعر بأن النظام السياسي الاقتصادي الجديد في عهد ماكرون يتجه نحو خدمة طبقة الأغنياء (وهنا يطلق بعض الفرنسيين على ماكرون بأنه رئيس الأغنياء)، وبالتالي فإن الذي يحرك هذا الشارع بالدرجة الأولى هو الخوف الجدي والمشروع من انهيار أو تأثر شبكة الأمان الاجتماعي التي توفرها الدولة الفرنسية على مدار العقود الماضية، والتي أمنت الحد الأدنى من الأمان لملايين الفرنسيين، وأصبحت اليوم مهدد أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل تباطؤ معدلات النمو وارتفاع نسب البطالة وارتفاع الأسعار.

إن فرنسا الجديدة التي يطمح الرئيس ماكرون لإصلاحها اقتصاديًا، تسعى عبر السياسات الداخلية للانسجام مع متطلبات العولمة النيوليبرالية وتطويع سياساتها للتكيف مع متطلبات الزعامة الأمريكية. ولكن المجتمع الفرنسي في غالبيته، ليس في حاجة إلى سياسة على هذا النحو، تتحول فيه الدولة إلى مجرد مؤسسة كبيرة لإدارة الأعمال وتصريفها، من دون أن تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية، ومن دون أن يكون لها دور مستقل وإيجابي على صعيد السياسة الخارجية، خاصة مع الاتجاه المتزايد نحو التأمرك لأن النموذج الاقتصادي الأمريكي لم يعد أهلا للتقليد، بما انه يغرق حاليًا في سلسلة من المصاعب، فضلاً عن كونه يتسم بطابع لا إنساني ولا اجتماعي، إذ يؤدي يوميًا إلى تدمير المزيد من الوظائف وفرص العمل وتخريب أنظمة الحماية الاجتماعية، استنادًا إلى مفاهيم «الكلفة» المرتفعة التي تؤثر بشكل مدمر على أنظمة التقاعد والخدمات الصحية، بعكس النموذج الأوروبي الذي درج على أن يعلي من شأن البعد الإنساني والاجتماعي، في ظل نظام رأسمالي (اجتماعي) إن صح التعبير. والخوف اليوم من أن يؤدي انتشار النموذج الأمريكي الى انهيار النموذج الأوروبي، وتأثيرات ذلك على العالم.

بالطبع لا تزال دولة الرعاية الاجتماعية في فرنسا – كما في معظم البلدان الأوروبية – قائمة، لكن الحكومات وحتى تلك المنتمية إلى الاشتراكيين الديمقراطيين، أصبحت تعيش تحت ضغوط مالية كبيرة، تنعكس على أداء الاقتصاد، مما أصبح معه تمرير بعض القرارات والسياسات الإصلاحية بالمعيار الرأسمالي مقبولة على مضض، وبدلاً من البحث عن موارد لتمويل الدولة الاجتماعية فإن الحكومات أصبحت تفضل خفض الدعم المقدم للخدمات الاجتماعية التي تضمن قدرًا كبيرًا من الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي في أوروبا الرأسمالية.

ونعتقد بأن حركة السترات الصفراء تندرج ضمن التوجه الذي قادته النقابات الفرنسية قبل أكثر من 3 سنوات عندما واجهت قانون العمل الجديد، حيث تحاول هذه الحركة الجديدة منع انهيار ما تبقّى من النموذج الاجتماعي الفرنسي المستقر، والذي يقدم إلى جميع المواطنين العديد من الخدمات الاجتماعية الحيوية منذ العام 1935 تاريخ تأسيس نظام الضمان الاجتماعي الذي يغطي المواطنين جميعهم تقريبًا، حيث تحولت بطاقة الضمان الاجتماعي إلى بطاقة هوية مدنية، تطال عطاءاتها كل فرد، وتطالب النقابات منذ زمن طويل بتوفير المزيد من الموارد من أجل إيجاد وظائف منتجة وتأمين النفقات المستقبلية للرعاية الاجتماعية والصحية لملايين المواطنين والمهاجرين المقيمين في الأراضي الفرنسية، والعمل على إنقاذ أنظمة الرعاية الاجتماعية فيها وتحسينها، بعيدًا عن النموذج الامريكي الذي يعاني من مشكلات اجتماعية خطيرة.

صحيح أن هنالك تحولات خطيرة تحدث اليوم، ليس في فرنسا لوحدها، وإنما في أغلب الدول الأوروبية، فنموذج (دولة الرعاية الأوروبية) بدأ يتبخر، والنموذج الأمريكي في طريقه إلى التعميم، وحتى اليسار الفرنسي بدأ يراجع عن مقولاته حول العمل والإنتاج والرعاية الاجتماعية. فبدل البحث عن موارد لتمويل الدولة الاجتماعية فإن الاتجاه الاغلب يتمثل في الميل إلى خفض الدعم المقدم للخدمات الاجتماعية التي تضمن قدرا كبيرا من الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي. وفرنسا الطامحة لتكون النموذج الأوروبي الأكثر مساواة ومسؤولية من أجل مواطنيها ومن أجل باقي العالم، يفترض أن تمضي قدمًا نحو تأسيس العقد الاجتماعي على مستوى القارة ليسهم في بناء مواطنية مشتركة ترتكز عليها سياسة خارجية أوروبية أكثر استقلالاً وأكثر عدلاً وأكثر جاذبية لتتحول إلى نموذج حي يقتدى به وليس نموذجا مستنسخا من الحالة الأمريكية التي تتجه نحو التأزم. ومع ذلك تبقى ملاحظة مهمة لا بد من إيرادها – بغض النظر عن النهايات المتوقعة وغير المتوقعة لحركة أصحاب السترات الصفراء الخارجة عن سيطرة الأحزاب والنقابات والنابعة من مخاوف مشروعة حول النموذج الاجتماعي الفرنسي المعروف الى حد اليوم – فإن المشكلة الكبرى أنه وعلى الرغم من العيوب التي يمكن أن يؤدي إليها اقتصاد السوق المهيمن حاليًّا في العالم، فإنه لا يوجد أي نظام اقتصادي جديد يمكنه أن يعوض هذا النظام حاليا باستثناء النظام الاشتراكي الذي فشل تقريبًا، ومن ثم، فالتأثير المتبادل الذي يمكن أن ينتج بعض السلبيات، سوف يستمر بين الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق في هذه الفترة، كما سوف تبقى الحركات الاجتماعية التي تجتاح العالم اليوم كمحاولة قوية للحد من الآثار السلبية الساحقة لمنطق اقتصاد السوق الذي يسلم الدولة إلى التجار والبنوك من دون أي اعتبار للمسألة الاجتماعية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها