النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

عدالـــــة الرأسماليــــة

رابط مختصر
العدد 10891 السبت 2 فبراير 2019 الموافق 27 جمادة الأول 1440

أعادني تصريح النائبة الأمريكية ألكزندريا أكاسيو كورتيز، الذي روجته الصحف مؤخرًا، والمتعلق بنقدها للاقتصاد الأمريكي، الى سؤال قديم قدم الإنسان في العالم، ظلت الإجابة عليه إشكالية يدرك البشر أهميتها ولا يعرفون الطريق الدال إليها: إنه سؤال العدالة، الذي نصت عليه الديانات السماوية منذ القدم. وما فرض الزكاة في الدين الإسلامي الحنيف، إلا لتحقيق العدالة الاجتماعية. 

وقبل الدخول في التفاصيل دعونا نذكر ما قالته النائبة الديمقراطية الأمريكية، التي أعادتني الى هذه المسألة الجوهرية التي انشغل بها الفلاسفة والمفكرون منذ أفلاطون وأرسطو إلى الفارابي وابن رشد، وصولاً الى المفكر الليبرالي الأمريكي جون رولز. 

تقول النائبة في البرلمان الأمريكي ألكزندريا أكاسيو كورتيز، إن النظام الاقتصادي الأمريكي الحالي يسمح بوجود مليارديرات، في بلد يكافح فيه الملايين من الناس من أجل تلبية حاجاتهم الأساسية. واعتبرت ذلك (أمر غير أخلاقي). ما الذي تعنيه النائبة مع قليل من التوضيح؟ ما هو غير الأخلاقي في هذه المسألة؟ النظام الاقتصادي الذي أثار غضب النائبة هو نظام الرأسمالية الأمريكية. والرأسمالية هي نظام موجود في العصر الحديث في كل البلدان والقارات، مع اختلافات طبقية تكبر أوتصغر من بلد الى آخر. 

النائبة هنا تشير الى سؤال العدالة الذي لم يتوصل البشر الى تحقيقه، بعد أن تناوله الكثير من الفلاسفة وأصحاب الفكر النير، وكان مادة خصبة تجادلوا فيها طويلا، وأشبعوها حوارًا واختلفوا فيها. في العصر الحديث حاولت الأنظمة الغربية الوصول الى هذه العدالة، عبر النظام الديمقراطي. كان ذلك تأسيسًا على الفكر الديمقراطي الذي أرسى قواعده مجموعة كبيرة من مفكريهم، مثل جون لوك وديكارت وجان جاك روسو وآخرون. كان معظم هؤلاء يعتبرون العدالة شأن أخلاقي بالدرجة الأولى، فأنت لا تستطيع أن تكون أخلاقيًا إذا كنت غير إنساني ولا تكترث لغيرك. إذن هناك اتصال حميم بين الإنسانية والأخلاق، وكل منهم يصل بِنَا الى الآخر. 

في القرن التاسع عشر وضع الفيلسوف كارل ماركس (1818– 1883)، نظامه الاشتراكي للعدالة لكي ينصف الطبقة العاملة والفقيرة، لكن نظامه الذي كان يدعو إليه لم يكن قابلاً للتنفيذ، لأسباب مختلفة. بعد ذلك ظلت الليبرالية هي النظام الأفضل لتحقيق العدالة الاجتماعية بالموازنة بين حقوق وامتيازات تمنح للطبقات الأقل دخلاً، مع المحافظة على التطور التنموي. مع استتباب النظام الليبرالي كنموذج تسعى إليه جميع الدول اليوم، فالبشرية تصل الى نهاية التاريخ كما يزعم المفكر الأمريكي فرنسيس فوكو ياما الذي اعتبر ذلك انتصارًا للرأسمالية، إلا أن ظروفًا جديدة عصفت بالمجتمعات الغربية في العقد الأخير تحديدًا، حدت ببعض المفكرين في الغرب مؤخرًا إلى اعتبار هذا الانتصار مؤقتًا، ذلك أن الحل الرأسمالي للفوارق الاجتماعية عالج قشور المشكلة لا لبها كما بينت السنوات الأخيرة. العدالة هنا تحققت جزئيًا، وحتى هذه الجزئية تقلصت مع الوقت. كما أن الظروف والمتغيرات الأخيرة أثبتت أنها كانت ولازالت إصلاحات هشة لا تصمد أمام جشع الرأسمالية المتصاعد. ما الدليل على هذا الفشل؟ الامتيازات التي حصلت عليها الطبقات الدنيا في الغرب بدأت بالضمور والوهن والتآكل. التصدعات التي تشهدها الرأسمالية وعدالتها الاقتصادية في السنوات الأخيرة، تعيد إليها حلولها الهزيلة التي راحت تلتهمها بجوعها الشرس للمال والثروة. وكما يقال فالرأسمالي يحب المال ويدمن عليه مع الوقت، حتى تتحول هذه الشراهة الى مرض راسخ، علما بأن هذه الرأسمالية لم تمنح الطبقات الدنيا حقوقها الاجتماعية، إلا بعد كفاح طويل خاضته هذه الطبقات. 

مع نظام العولمة الذي اختطته الرأسمالية بدأ تصدع نظامها الاقتصادي والاجتماعي. الانتقال الى مرحلة العولمة، كشف عن خلل كبير في الرأسمالية، مما حدى ببعض المفكرين المحدثين في الغرب الى التنبؤ بسقوطها إذا لم تصلح ثغراتها وتكتفي بأرباح أقل في سبيل الاستقرار الاجتماعي الذي لم يعد كما كان في السابق. أحد مؤشرات هذا التصدع هو صعود اليمين المتطرف في الغرب، الذي لم تقم له قائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الأزمة المالية في العام 2008 في الغرب وأمريكا، التي هزت أركان اقتصاد هذه الدول هي مؤشر آخر. وأخيرًا وليس آخر انتفاضة أصحاب السترات الصفراء في فرنسا والاحتجاجات المماثلة في الغرب المطالبة بإصلاحات اقتصادية هي مؤشر ثالث. 

الإنسانية (أثرياء وفقراء) أمامهم خيارات صعبة وجوهرية اليوم. إما أن يتفهم الرأسماليون، معاناة الأغلبية، وحاجتهم للعيش الكريم الذي يحقق لهم احتياجاتهم الأساسية، أو أن يدخل المجتمع في صراعات اجتماعية اقتصادية تهز الاستقرار العام. بهذا الشرح يمكننا الاقتراب أكثر من تصريح النائبة الأمريكية أكاسيو كورتيز، التي اعتبرت أن الوازع الأخلاقي يستدعي الاهتمام بالبشر الذين لا يجدون استقرارًا في الأنظمة الحالية. 

في القرن الثامن عشر يكتب المفكر الفرنسي جان جاك روسو أن الأخلاق الإنسانية تجعلنا (نتفادى ما يلحق الأذى بنا وبالآخرين، كما يجعلنا نميل الى ما يعود علينا وعلى المجتمع بالنفع). الاهتمام بالآخرين هو موقف أخلاقي بامتياز. بهذا التفسير فالنائبة الأمريكية الغاضبة على النظام الاجتماعي في بلدها كانت صادقة وصائبة في ما تقول. 

لكن ماذا عن الطبقات الدنيا في الدول النامية المحرومة من أساسيات العيش، وبدرجات متدنية. إذا لم يكن لدي نزوع إنساني تجاه الآخر فأنا ناقص الإنسانية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها