النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10942 الاثنين 25 مارس 2019 الموافق 18 رجب 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:51PM
  • العشاء
    7:21PM

كتاب الايام

الســــودان

رابط مختصر
العدد 10888 الأربعاء 30 يناير 2019 الموافق 24 جمادة الأول 1440

«كان الانقلاب الذي وقع في السودان متوقعا ولكنه لم يكن مرغوبا»! هكذا وصفت «السياسة الدولية» في يناير 1990 انقلاب عمر البشير في السودان فجر الثلاثين من يونيو 1989، وأضاف كاتب التقرير جمال عبدالجواد: «كان متوقعًا لأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في السودان منذ الإطاحة بنميري لم تحقق التقدم الذي تمناه أصدقاؤهم لهم، ولم يكن مرغوبا لأن النظام الديمقراطي في السودان كان يمثل انتصارا لقضية الديمقراطية في الوطن العربي».
كيف تطورت أحداث الانقلاب بعد وقوعه؟
«كان أول قرار اتخذه قادة الانقلاب وقف العمل بالدستور، وحل الجمعية التأسيسية ومجلس السيادة والأحزاب السياسية والنقابات، واحتكر مجلس قيادة الثورة سلطات التشريع والتنفيذ، وشارك من خلال المحاكم العسكرية في تولي القضاء، كما جرى اعتقال قادة الأحزاب السياسية وبعض القادة النقابيين وشخصيات عامة أخرى».
لم يتصرف الانقلابيون الجدد بسذاجة في مجال حماية أنفسهم والاستفادة من التجارب السابقة، وبخاصة أنهم «الحكم العسكري الثالث» في تاريخ البلاد.
وهكذا «عمدوا إلى تصفية كافة المؤسسات التي تولت في المرات السابقة قيادة مهمة إسقاط الحكم العسكري والعودة الى الديمقراطية، فلم يترك الانقلاب أي مؤسسة أو هيئة لها صفة سياسية أو شبه سياسية إلا وقرر حلها، وبعد ستة أشهر من قيام الحكم العسكري لم تزل الدبابات خارج ثكناتها للحراسة والسيطرة على الطرق الرئيسة والمنشآت الحيوية، كما لم يزل حظر التجول مفروضا طوال ساعات الليل».
أحزاب مشاركة في الحكومة السودانية الحالية، وأخرى مشاركة في الحوار الوطني «الرسمي»، أبرزها «حزب الأمة القومي» بقيادة مبارك المهدي، وحركة «الإصلاح الآن» كما جاء في (الشرق الأوسط، 2/‏ 1/‏ 2019): «كشفت تقديمها مذكرة إلى الرئيس السوداني عمر البشير، تطالب فيها بتنحيته وحكومته، استجابة لمطالب الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد، والتي تطالب بإسقاط النظام، ووقعت أحزاب الجبهة الوطنية للتغيير، وكتلة التغيير، وحزب الأمة، البالغ عددها 22 حزبًا، مذكرة لتدارك الانهيار السياسي الوشيك، ولتشكيل حكومة انتقالية تجمع بين الكفاءات والتمثل السياسي، ولا تستثني أحدًا».
وقالت الصحيفة إن المذكرة حذرت من رفض الانتقال إلى نظام جديد، وقالت إن عواقبه ستكون وخيمة «تودي بالأمن الاجتماعي، وتزيد معاناة المواطنين، وتورد البلاد موارد الهلاك».
في مقال «عبدالجواد»، الذي كتب عام 1990 كما ذكرنا، قال فيه إن انقلاب 1989، «قوبل بمعارضة الأحزاب السياسية والنقابات المنحلة باستثناء «الجبهة الإسلامية القومية»، التي وإن لم تعلن رسميا تأييدها للانقلاب، إلا أن سلوكها يؤكد ذلك، فالاتحادات الطلابية التي تسيطر عليها الجبهة كانت هي الفئة الوحيدة من المنظمات الجماهيرية التي لم يصدر قرار بحلها، كما كانت هي أيضا الهيئة الوحيدة التي نظمت مسيرات تأييد الحكم الجديد، والتي تولت فيما بعد التصدي لأعمال الاحتجاج القليلة التي وقعت حتى الآن، وكان هذا الموقف من أنصار الجبهة الإسلامية هو الحجة الرئيسة التي استند إليها أغلب المراقبين، وكذلك الأحزاب السياسية المنحلة في السودان للبرهنة على أن الانقلاب كان من تدبير الجبهة الإسلامية».
ولا تبدو الجبهة الإسلامية غاضبة من هذا الاتهام، فالواقع كما كتب عبد الجواد، «تبدو الجبهة الإسلامية راضية بهذا الاتهام لما يضفيه عليها من نفوذ سياسي كبير، كما تبدو قوى المعارضة الأخرى راضية به أيضا لما يتيحه من سهولة نسبية في تعبئة خصوم الجبهة الإسلامية داخل السودان وخارجه، ضد الانقلاب».
ماذا عن «إسلامية» الانقلاب لدى وقوعه؟
لم تكن الإشارة إلى دور «الجبهة الإسلامية» في الأحداث موضع رضا الانقلابيين ولكن برغم النفي المتكرر من جانب قادة الانقلاب لاتهامهم بموالاة الجبهة الإسلامية، «فإن بعض قراراتهم التي تستهدف إضفاء طابع إسلامي متزايد على الدولة والمجتمع السودانيين، ساهمت في ترويج هذا الاتهام».
ماذا فعلت حكومة البشير بمشكلة الجنوب والحرب؟ لقد فعلت ما فعلت، ثم انتهى الأمر إلى انفصال الجنوب عن الشمال. قال عبدالجواد في مقاله «إن مشكلة الجنوب كانت في مقدمة القضايا التي استند إليها قادة الانقلاب لتبرير انقلابهم، فقد فشلت الحكومة الديمقراطية في وضع حد للحرب الأهلية، ونجح الجيش الشعبي لتحرير السودان في توسيع سيطرته، بينما كان الجيش يتحمل عبء هذه الحرب، ويتحمل معها الإساءة إلى سمعته باعتباره مسؤولا عن الهزائم التي تتعرض لها القوات الحكومية في الجنوب».
لا نريد الاستطراد فيما فعله الانقلابيون بسمعة الجيش، حيث لا يزال نظام البشير يهدد شعبه كالقذافي من قبله، فيقول المشير مهددًا المتظاهرين ضده بأنهم عملاء وخونة و«فئران»! إذا نزل الجيش في الشوارع فـ«ستعود الفئران لجحورها».
من أطرف ما جاء في خطب الرئيس المشير تبشيره بالإصلاحات الاقتصادية العظيمة القادمة التي ستحل كل مشاكل السودان! ولا أدري ماذا كانت تفعل هذه الحكومة منذ 1989، طوال ثلاثين سنة؟ فلماذا تأخرت هذه الإصلاحات والمعجزات؟
نشر د.محمد الرميحي مقالا عن أوضاع السودان جسد فيه بوضوح وقوة جوانب من مشاكل البلاد وفشل التنمية،
ومن الطرائف المتداولة بخصوص السودان، يقول مقال د. الرميحي، «يردد كثيرا أن في السودان خمسين مليون بقرة فهي ثالث دولة في امتلاك البقر، ومع ذلك فهناك شح في منتجات الألبان، بالمقارنة ببلد مثل هولندا، فيه فقط خمسة ملايين بقرة، يقوم بتصدير مشتقات الحليب».
ويضيف د. الرميحي: «إن بعض الدراسات الاقتصادية ترى أنه لو قرر السودان أن يزرع البرسيم فقط في الأراضي المنتجة له لأصبح دخله يساوي على الأقل الدخل النفطي لمجموع دول الخليج»!
في السودان كما هو معروف أراض زراعية شاسعة، ولكن الجامعات السودانية لا تهتم كثيرا بالزراعة! ففي السودان يقول د. الرميحي «نحو خمس وثلاثين جامعة، بعضها جامعات بالاسم فقط، ولكن من الجامعات الكبرى الست، ثلاث فقط فيها كليات لتعليم الزراعة، والأكثر غرابة أن بعضها فيها «كليات بترول» والبترول أصبح مع الجنوبيين.
(الشرق الأوسط 5/‏ 1/‏ 2019).
يعرف عن السودان أنه البلد الزراعي الأول في إفريقيا والعالم العربي، ولديه أكثر من 200 مليون فدان أراضي زراعية خصبة، لا يستصلح منها سوى 40 مليون فدان! (الشرق الأوسط 13/‏ 10/‏ 2018).
ويتطلع السودان، تقول الصحيفة، إلى تحقيق عائدات من محصول السمسم تقدر بنحو ملياري دولار، حيث وصل سعره في نهاية عام 2018 إلى 1800 دولار للطن المتري، ويصنف السودان منذ مئات السنين، يقول تقرير لسيف اليزل بابكر،«الدولة الأولى في العالم الذي تنمو فيه أشجار الصمغ على مساحات شاسعة، حيث يلعب دورا بارزا في تجارة السودان، ويغطي 90% من احتياجات العالم من هذه السلعة، ولا تزيد المساحات المستغلة في زراعة وإنتاج الصمغ في السودان 10%، كما يعاني إنتاجه من التهريب الواسع لتصديره خارج السودان، ومن قلة العمالة الموسمية وشيخوخة المنتجين وتضارب السياسات الإنتاجية».
(الشرق الأوسط، 28/‏ 10/‏ 2018)
ورث النظام السياسي الحالي في السودان عملة ضعيفة زادتها سياسات د. الترابي وعمر البشير ضعفا وترديا ووهنا على وهن! وظل الجنيه هو العملة الوطنية السودانية المعتمدة حتى 1992، حين ظهرت عملة جديدة باسم«الدينار»ويساوي الدينار عشرة جنيهات، ولكن تم إلغاء عملة الدينار في 2007 والعودة للجنيه، وفي ديسمبر الماضي 2018 كان الدولار يساوي خمسين جنيها، وعندما خصصت منظمة الشفافية ومكافحة الفساد السودانية مبلغ 54 مليون جنيه سوداني لمكافحة الفساد، كان المبلغ يساوي 1.13 مليون دولار، واعتبر د. الطيب مختار رئيس المنظمة تخصيص هذا المبلغ«خطوة جيدة لاجتثاث الفساد من البلاد».
(الشرق الأوسط 22/‏12/‏ 2018)
ورغم استسلام السودانيين للواقع، حيث تقاطر آلاف المواطنين باكرا أمام آلات الصرف، التي قيل إنها«عبئت بالعملات»، فإنهم صدموا من شح مكائن الصرف، فهي لا تسمح بسحب أكثر من ألفي جنيه، أي نحو 40 دولارا في اليوم... مهما كان حجم رصيدك البنكي، وشبهت الصحف ندرة المال بالأزمة التي نتجت عن حصار الثوار المهديين للخرطوم وندرة العملات، والتي حلها الجنرال الإنكليزي المحاصر عام 1885 «الجنرال غوردون» بإصدار عملات ورقية قابلة للدفع بتوقيعه حلا للأزمة.
كان غوردون ممثل إنكلترا وحاكم السودان وقد لقي حتفه على يد المهديين يوم 26 يناير قبل وصول قوة الإنقاذ البريطانية يوم 28 يناير، وهكذا سقطت حكومة «غلادستون»بعد اتهامها في لندن بالتقصير.
الرئيس عمر البشير، كما ذكرنا، تطارده المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وسقوط 300 ألف قتيل في السودان، ونزوح أكثر من مليون مشرد، وهناك فوق كل مشاكل السودان منذ نوفمبر الماضي «أزمة خبز».
أزمة خبز... في «سلة خبز العرب»، كما لقب السودان لخصوبة أراضيه ووفرة مياهه!
وجاء في الصحيفة نفسها 24/‏ 8/‏ 2018، أن الأزمة ناجمة عن«شح موارد النقد الأجنبي في بنك السودان المركزي»، وأشار مسؤول في الاتحاد العام للمخابز«أن انقطاع التيار الكهربائي المتكرر جعل المطاحن تعمل بنسبة 60% من طاقتها»، وطالب بزيادة كميات الجازولين للمولدات، حتى تباشر عملها بعد توقف التيار الكهربائي، وهكذا أصبحت طوابير الخبز مشهدا مألوفا في الطرقات الرئيسة، حيث يستهلك سكان الخرطوم وحدها نحو أربعين مليون رغيف يوميا، وتدعم الحكومة سلعة القمح بنحو 500 مليون دولار كل 3 أشهر، «لكن الدعم لا يذهب بكامله لمستحقيه»!
ولجأت الحكومة مؤخرا الى خلط القمح بالذرة، حيث يعد السودان في هذا المجال، كما يؤكد «بابكر»، «الدولة الأعلى في إنتاج الذرة في إفريقيا والعالم العربي، ويعيش ثلثا السكان على الذرة ومنتجاتها، خصوصا في القرى والأرياف». (10/‏ 11/‏ 2018).
من جانب آخر صادق البرلمان السوداني على قانون جديد للانتخابات بعد تعثر دام نحو نصف عام، وشهدت الجلسة الأخيرة انسحاب عدد من النواب وممثلين للكتل البرلمانية احتجاجا على مواد القانون، ونقلت الصحف في الخرطوم عن الرئيس عمر حسن البشير نفيه لأي اتجاه لـ«تزوير الانتخابات» من قبل حزبه، وأنه يعمل على «إتاحة الأمر لأهل السودان للمشاركة في العملية الانتخابية»، بل أقسم في حديث لطلاب حزبه بالقول «لا والله ما حنزور الانتخابات. عايزين الكل يصل للصندوق، ويصوت لأن الصوت شهادة لله... ما جينا نكذب على الناس أو نغشهم، لأن عملنا لله، وما ممكن نتقرب لله بالغش والخداع». (27/‏ 11/‏ 2018). بقي على القارئ أن يصدق!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها