النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

ازدواجية المعايير حول حقوق الحيوان في إسبانيا

رابط مختصر
العدد 10887 الثلاثاء 29 يناير 2019 الموافق 23 جمادة الأول 1440

المدخل الى هذا المقال هو الخبر التالي الذي تناولته وكالة الأنباء الوطنية في اسبانيا يوم 14 يناير 2019: «ألقت الشرطة الإسبانية القبض على 182 شخصًا في غارة على مكان يمارس فيه مصارعة الديكة غير القانونية، وقد شاركوا في المسابقة الوطنية لمصارعة الديوك، وهي رياضة قديمة لا تزال مستمرة في بعض المناطق رغم حظرها. وصادرت السلطات مصانع القنب وعددا كبيرا من الديكة الميتة ومبلغ ثلاثمائة ألف يورو من أولئك الذين خرقوا القانون الذي يمنع المشاركة في بعض الأنشطة الرياضية المحظورة (مثل صراع الديكة) وهم يواجهون عقوبة السجن»... خبر يثير الدهشة والحيرة، خاصة وأنه في الوقت نفسه تشهد حلبات مصارعة الثيران، المنتشرة في أرجاء اسبانيا وهي تتمتع بدعم حكومي ولا مبالاة قضائية، عمليات استفزاز وتعذيب وقتل لحيوانات (الثيران) من أجل التسلية، حيث يتجمع خليط الناس من كبار وصغار من أهالي البلاد ومن السياح. وتقوم هذه المجازر البشعة في حق حيوان بريء في وسط حلبة واسعة يتجمع حولها حشد غوغائي من الذين يستمتعون برؤية مجزرة التعذيب البطيئ، بفعل إجهاد الثور وغرس سهام صغيرة غير قاتلة في أسفل ظهر الثور، إلى نهاية القتل العمد بسيف مدبب طويل مستقيم يغرسه الفارس (المغوار) في موضع بين الرقبة والظهر ليستقر نصل السيف في وسط قلب الثور المسكين، فينهار الثور المنهك ويتهاوى على أرض الحلبة، وتتعالى أصوات الإعجاب من المشاهدين، وترتفع أصوات الموسيقى معلنة نهاية المجزرة. ويرجع المشاهدون إلى بيوتهم وفنادقهم وهم نشوى بمشاهدة هذه المجزرة المسلية!!!
اسبانيا الفن والجمال، الرسم والنحت والموسيقى، إسبانيا الرسام العظيم بيكاسو، والموسيقار الكبير رودريغو ورقص الفلامنكو وسادة الجيتار، واسبانيا الحرب الأهلية بين قوى التنوير والديمقراطية وسلطة القانون من جهة، وقوى الظلام والدكتاتورية والسلطة المطلقة من الجهة المضادة، إسبانيا النضال ودحر الفاشية، إسبانيا التي توج نضال الشعب فيها إرساء نظام علماني ديمقراطي ينزع فيه المجتمع إلى إنسانية الانسان من أجل كرامة الانسان ورحمة الانسان تجاه الطير والحيوان. اسبانيا التي تتقدم خطاها على دروب الحضارة والتقدم والإنسانية، ما كان عليها أن تعيش هذا التناقض الفج والصريح وغير الأخلاقي فيما يتعلق بحقوق الحيوان بين الديك والثور. فللديك الرحمة وعلى الثور اللعنة!!! هكذا التمييز في اسبانيا بين الديك المحظوظ والثور المسكين... مسألة تبدو عجيبة وهي جوهر موضوع يبدو أكثر غرابة، فأين الديك من الثور، وأين موقع الانسان (الاسباني) منهما، وأين الأهمية الموضوعية، بالنسبة لعامة القراء، في رسم كلمات، الديك والثور هما خطوطها العريضة؟ أهمية الموضوع تنبع من واقع أن الحيوان أصبح له وجود في عالم القانون ومؤسسات القانون ونصوص القانون، فللحيوان حق الرحمة من الانسان عليه، وهكذا تنص القوانين في الدول المتحضرة، ورباط الرحمة بين الانسان والحيوان هو تهذيب أخلاقي لنفسية الانسان. في الدول المتحضرة التي تبنت النهج العلماني في تسيير دفة الحكم، وما اقتضاه هذا النهج من زرع لثقافة التعاون الاجتماعي بدل التناحر، واتباع نهج تعليمي وتربوي وإعلامي يصب في اتجاه زرع روح التسامح وقبول الكل للكل والجزء للجزء والكثرة للقلة والقلة للكثرة حتى تذوب الفوارق ولا يبقى كل وجزء او كثرة وقلة، وقد تطور هذا النهج وارتقى الى مستوى ادراج الكائنات الحية من طير وحيوان تحت سقف القضاء وإصدار القوانين التي تحمي حقوق الحيوان والطير في المعاملة الرحيمة وعدم التعرض لها وتعريضها لصنوف الاستفزاز والعذاب والقتل من أجل المتعة والتسلية. فقد كان الانسان يقتل ويعذب الحيوان من أجل قضاء وقت الفراغ ومن أجل التسلية.
قوانين الرحمة تجاه الكائنات الحية في إسبانيا موجودة وتمارس تحت مظلة القضاء وحماية المؤسسات المعنية في الدولة، فقد شنت الشرطة الإسبانية في الأيام الأخيرة غارة مفاجئة على وكر من أوكار صراع الديكة، وصادرت مبالغ من المال كانت حصيلة رسوم التسلية وبعضها من مراهنات على القتال بين الديكة، وعدد من الديكة التي قتلت أثناء القتال الديكي وعدد آخر استعداداً لدورات قتالية قادمة، وهذه الممارسة الإجرامية موجودة في بعض من دول العالم الثالث والخامس في جنوب شرق آسيا وفي أمريكا اللاتينية، ولكنها محظورة بفعل القانون في جميع الدول المتحضرة، وهي من أجل التسلية المدفوعة الثمن، ومن أجل المقامرة بالرهان على الديك المنتصر في صراع بين أخوة الديك، ديك منتصر والدماء تغطي منقاره وتبلل ريشه وتتقطر من عرفه، بينما الديك المهزوم طريح الأرض إما ميت مقتول أو ينتفض ويهتز ويرتجف والعذاب يتآكله إلى لحظة النفس الأخير.
نعم، بشأن الديك قامت الشرطة الإسبانية بدورها القانوني والثقافي والحضاري، ولكن هذا الدور قد اختفى كلية مع حيوان وحيد وهو الثور، ومما يؤسف له ويندى له جبين الرحمة أن ممارسة استفزاز وتعذيب وقتل الحيوان مازال قائمًا منتشرًا وله صفة قانونية في بلد علماني مثل اسبانيا، والأدهى من هذا أن هذه الممارسة المحصورة مع جنس واحد من الحيوان، وهو الثور، قد أضحت ثقافة المجتمع في غالبيته، اللهم إلاّ قلة مثقفة تنادي بوقف هذه الممارسة الإجرامية.
إن هذا التمييز المقصود بين حيوان مسكين وطير محظوظ له دوافع اقتصادية بالنسبة للدولة، فمصارعة الديوك، كممارسة للتسلية المدرّة للمال، لا تستوعب حشدًا كبيرًا من الناس (خاصة السياح) وبالنتيجة فليس هناك من جدوى مالي (اقتصادي) من هذه المصارعة ضيقة المساحة، أما مصارعة الثيران، فإنها تستوعب حشدًا بشريًا كبيرًا يمكن استثماره لتحقيق كسب مالي كبير، وهكذا تتغلب المصلحة الربحية على الرحمة الأخلاقية، فعندما يتكلم الربح تسكت الأخلاق (وينطم!!!)....
وتتلاطم المعايير (أياًّ كانت، سياسية او حقوقية او اقتصادية او اجتماعية) وتفقد مصداقيتها وتتهاوى إلى الردى عندما «تنْطَمُّ» الأخلاق !!!...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها