النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

نهضة الخليج العربي

رابط مختصر
العدد 10884 السبت 26 يناير 2019 الموافق 20 جمادة الأول 1440

سؤال النهضة في الخليج العربي رافقني منذ فترة طويلة. وهو سؤال زرعته الظواهر، التي شهدتها بلدان الخليج العربي. عمر هذا السؤال يبدأ منذ ما سمي بالطفرة النفطية في السبعينات. كانت بواعث هذا السؤال هو تسارع إيقاع تطور المجتمع الخليجي بعد الطفرة، وفي خط تصاعدي، نعرف بدايته ولا نعرف نهايته، إلا أنه يمكن بناءً عليه أن نضع تكهنات جديدة أكثر حداثة وتطورا، مبنية على حقائق جديدة ثابتة على الأرض، تمكننا من قراءة مشهد التطور المستمر في البلدان الخليجية، وبشكل سريع أيضا (كما كان في السبعينات والثمانينات)، فكيف حدث هذا التطور المميز الذي لم تحظ عليه دولة عربية أخرى، حتى من الدول المتقدمة عربيا؟ وما التفسير الذي نستطيع الركون إليه؟ وما هي الآفاق المحتملة لهذا التسارع في تطوير إقتصاد المنطقة، مصحوبا بسرعة في التعليم، تليه الثقافة التي إندفعت - ولا زالت تندفع بنفس السرعة - في أفق متعدد وأكثر غنى وكثافة؟
أريد قبل ذلك أن أوضح الحقيقة التالية: إن كل الحضارات القديمة والحديثة في التاريخ اعتمدت على قاعدة مادية مكنتها من بناء هذه الحضارات المتقدمة. وليس سرا أن الحضارات الرئيسية القديمة التي أسست حضارات مرموقة استفادت منها البشرية كلها، في الأغلب اعتمدت على تلك القواعد المادية، ونتج عنها إزدهار وتطور في كل المجالات. كانت ثروة بعض أمم الحضارات القديمة تعتمد على الزراعة التي وفرتها الأنهار. الفراعنة ازدهرت عندهم الزراعة بوفرة مياه نهر النيل. العراق إزدهرت حضاراته على مياه دجلة والفرات، ولولا هذه الأنهار التي صنعت الثروة الزراعية لما قامت تلك الحضارات العريقة على الصورة التي عرفناها.
وكان الخليج العربي في العصر الحديث، على موعد مع ثروة مادية ستمكنه من إحداث نقلة نوعية في المجتمع، بدأت تباشيره في ثلاثينات القرن الماضي، مع أول اكتشاف للنفط في المنطقة. النفط في العصر الحديث كان ولا يزال ثروة يمكن الاستفادة منها بشكل كبير إذا تم استغلالها بشكل صحيح. كان النفط - القادم الجديد - هو نمط من الاقتصاد تأسست عليه حياة جديدة ومختلفه في المنطقة، تختلف كلية عن نمط الإنتاج الزراعي السابق. نتج عن ذلك بوادر نهضة حديثة ضربت المنطقة بأسرها، وهكذا فالحداثة التي شهدها الخليج العربي في العقود الأخيرة، كانت إستثنائية وملفتة إن لم تكن مفاجئة ونوعية. ماذا ترتب على ذلك؟ بدأت عجلة التطور في الدوران بهدوء في البداية، ثم راحت تتسارع، وفي مرحلة ثالثة بدأت طفرة نفطية عالية مع صعود أسعار النفط في الأسواق العالمية في السبعينات. تلا توفر الثروة (رأس المال)، تأسيس حياة جديدة مختلفة تماما عن ماقبلها، وتفريخ مشاريع إقتصادية واسعة لم تعهدها المنطقة من قبل، ولم نكن نحلم بها.
كانت الحياة تتغير بسرعة قياسية بعد السبعينات من القرن الماضي، ويتغير معها الناس ونمط عيشهم وتفكيرهم وسلوكهم الاجتماعي. على إثر ذلك تسارعت أعمال البنية التحتية بشكل سريع أيضا، مقارنة بالتاريخ السابق، وحتى مقارنة بالبلدان العربية والبلدان النامية. وعلى إثرها توافدت المؤسسات المالية العالمية في منطقة ذات ثروات كبيرة، وتعج بفرص استثمارية واعدة ومغرية. جاء العالم الحديث الينا ليستثمر ويطور ويستفيد. رأينا بعد ذلك - ومعنا رأى العالم - مجتمع جديد يتخلق، بإيجابيات كثيرة وسلبيات أيضا من أثر المادة التي رسمت سلوكا استهلاكيا مبالغا فيه، وهي من نتاج الصدمة الحضارية المفاجئة.
مع الطفرة النفطية الواسعة تسارع تحديث المجتمع العربي في الخليج، بدأ بالتعليم حيث ظهرت المدارس بأعداد كبيرة في فترة وجيزة، وتأسست جامعات ومعاهد ظلت تتكاثر حتى اليوم. تلك كانت نهضة حديثة بالمعنى الفعلي للنهضة، مع ما فيها من عيوب وشوائب تصاحب أي نهضة سريعة وشاملة ومختلفة. كان واضحا أن مجتمعا جديدا يتخلق بالتعليم والثقافة والخبرة الاقتصادية، في ظل مؤسسات أجنبية حديثة أكسبت الخليجيين الخبرة: (البنوك والشركات).
انتشار التعليم السريع منذ السبعينات والثمانينات قضى على الأمية حتى وصلت قريبا من التلاشي في معظم دول المنطقة، وهي نسبة متدنية مقارنة بالدول العربية الأخرى، حتى المتقدمة على النطاق العربي. واليوم توضحت حقائق كثيرة لم تكن واضحة، بالحتم حقائق إيجابية تقول أن هناك نهضة حقيقية تتأسس وتنمو بسرعة في الخليج العربي. أوضحت هذه النهضة أن الطفرة النفطية، ليست مظهرا للتوجه المادي، والأنانية، والسلوك الحضاري السطحي، فهناك أمور كثيرة أسستها ثروات الطفرة النفطية هي من الإيجابيات الهامة، كالازدهار الاقتصادي الذي بلور التنمية، وخلق فرص عمل جديدة، ورفع المستوى المعيشي لكل الطبقات، وإن بنسب متفاوته.
الازدهار التعليمي الذي وفرته الطفرة وسع إنتشارالثقافة. واليوم، تقف هذه النهضة على قاعدة للانطلاق والتقدم، شديدة الأهمية، وقد تكون هذه النقلة القادمة نقطة فاصلة أخرى لتقدم أكثر نوعية وجودة يبدأ بالاقتصاد ولا ينتهي عند حد أو سقف. وفي الأفق تظهر مشاريع تقتصادية كبيرة في المنطقة، هي وليدة الخبرة والدراية والعلم، (الرؤيا الاقتصادية 2030). اليوم نتمنى تقدما أكثر رسوخا لدول الخليج العربي، في ظل عدالة اجتماعية لا تغفل عن الطبقات العاملة وذوي الدخل المحدود، وهم يشكلون أغلبية شعب المنطقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها