النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

«سيف علي وعدل عمر وخزائن بن عبدالعزيز»

رابط مختصر
العدد 10884 السبت 26 يناير 2019 الموافق 20 جمادة الأول 1440

تحكي كتب التاريخ أن خليفة المسلمين عمر بن عبدالعزيز أنصف أهل مدينة سمرقند في خلاف بينهم وبين قائد جيش المسلمين الذي ذهب لفتح المدينة ولم يمنح أهلها مهلة للتسليم كما هو متبع من جيوش المسلمين في الفتوحات الإسلامية، فاشتكوا هذا القائد الى عمر بن عبدالعزيز، فقرر استشارة أحد القضاة وحكم لصالح المدينة، أي أن ينسحب الجيش للحدود مرة أخرى. وسأل أهل سمرقند القاضي عن حكمه، فما كان رده سوى أن الخليفة عمر أوصاه بالعدل لأنه أساس الملك، بغيابه يعم الظلم والفساد. فالعدل معيار السعادة والحضارة ودعامة بناء الأمم، ومستقر أساسات الدول والجماعات، وباسط ظلال الأمن. والعدل هو غاية الرسالات السماوية كلها، متمثلاً في قوله سبحانه: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ».
 فالعدل ليس من أساسيات الملك وإنما هو نفسه الأساس الذي تبني عليه الأوطان، ولنعود بالذاكرة معًا الى بعض السنوات القليلة التي مضت، حينما كان «العدل» من أهم طلبات مواطني الدول في انقلابهم على حكامهم، بجانب الحرية والخبز. فالعدل هو أساس السموات والأرض، ومؤلف القلوب، يشتد به الضعيف ويقوى رجاؤه، فقد قال أبوبكر الصديق رضي الله عنه لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه». ومن هنا يكون العدل أسمى غاية وأشرف وسيلة، وأعظم مطلب، فبه تحفظ مكانة الناس عالية، وتصان الحقوق.
 نعود مرة أخرى لهبات «الخريف العربي»، فلو كان الحكام التزموا بواجباتهم في حكم بلدانهم ورعاية مصالحها ومصلحة شعوبهم وتجنبوا ظلمهم، وأدوا الحقوق والأمانات الى أهلها، ولم يجعلوا مناصبهم بوابة لتحقيق المآرب الشخصية لهم ولأسرهم وحصد المغانم الدنيوية على حساب مصلحة الأمة وحقوقها، لما انهارت هذه الدول ورأينا حالها اليوم لا يسر عدوًا ولا حبيبا. فانتشر الفساد وغاب العدل والتمييز أمام القانون وغيره بين البشر ما بين علية القوم وما دونهم، ولم يلتزم الحكام بقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى»، وقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه، إمام عادل»، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: «عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة»، وقوله في حديث آخر: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لها، إلا حرم الله عليه الجنة».
 مشكلتنا أن بعض الحكام يتناسون مهمة بسط العدل في ربوع بلدانهم، وبسط العدل كما هو مفيد للرعية مفيد أيضا للحكام، حيث يعود عليهم بإنصاف المواطنين لهم وطاعتهم والوقوف إلى جانبهم في الحق والخير، والعمل معهم على صيانة ضرورات الدين الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل، مع الإحسان إليهم بالنصح والإرشاد، امتثالاً لأمر رسولنا الكريم: «الدين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم».
لم نكن في حاجة للكتابة عن أهمية بسط العدل في بلاد العرب والمسلمين، خاصة إن الإسلام قد أرسى هذه المفاهيم لتكون سلوكًا عمليًا ونظامًا سياسيًا وخلقًا اجتماعيًا تقوم عليه الدولة بالعدل، حتى أصبح العدل ميزة من ميزات الأمة الإسلامية، وعلامة بارزة في نظامها السياسي والاجتماعي، ليس تجاه المسلمين فحسب، بل ومع الناس جميعًا بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم، تطبيقًا لما جاء بالقرآن الكريم: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا».
 ونحن نتحدث عن العدل، نتذكر قصص الفاروق عمر رضي الله عنه، ومنها أنه مرَّ متسترًا ليطلع على أخبار رعيته فرأى عجوزًا فسلَّم عليها وقال لها ما فعل عمر؟ قالت: لا جزاه الله عني خيرًا. قال: ولِم ؟ قالت: لأنه - والله - ما نالني من عطائه منذ ولي أمر المؤمنين دينار ولا درهم فقال لها: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ قالت: سبحان الله! والله ما ظننت أن أحدًا يلي عمل الناس ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها. فبكى عمر ثم قال: وا عمراه! كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر. ثم قال لها: يا أمة الله، بكم تبيعني ظلامتك من عمر؟ فإني أرحمه من النار قالت: لا تهزأ بنا يرحمك الله.. فقال لها: لست بهزاء، ولم يزل بها حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين دينارًا.. وبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فوضعت العجوز يدها على رأسها وقالت: وا سوأتاه أشتمت أمير المؤمنين في وجهه! فقال لها عمر: لا بأس عليك رحمك الله، ثم طلب رقعة يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من ثوبه وكتب فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي إلى يوم كذا وكذا بخمسة وعشرين دينارًا، فما تدعى عند وقوفه في المحشر بين يدي الله تعالى فعمر منه بريء»، وشهد على ذلك علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود ورفع عمر الكتاب إلى ولده وقال: (إذا أنا مت فاجعله في كفني، ألقى به ربي).
 وإذا كنا بدأنا بعمر بن عبدالعزيز، نختم بقصة من قصص عدله، حيث شهد المسلمون في عهده عدلاً وإيمانًا وتقوى وطمأنينة، حيث كان كل همه ﻧﺸﺮ ﺍﻟﻌﺪﻝ، حتى ﻓﻮﺟﺊ خليفة المسلمين ﺑﺸﻜﺎﻭﻯ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺍﻷﻣﺼﺎﺭ ﺍﻟﻤﻔﺘﻮﺣﺔ (ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺸﺎﻡ ﻭﺃﻓﺮﻳﻘﻴﺎ) ﻣﻦ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﻣﻜﺎﻥ ﻟﺘﺨﺰﻳﻦ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺰﻛﺎﺓ، ﻭﻳﺴﺄﻟﻮﻥ: ﻣﺎﺫﺍ ﻧﻔﻌﻞ؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ: ﺃﺭﺳﻠﻮﺍ ﻣﻨﺎﺩﻳًﺎ ﻳﻨﺎﺩﻱ ﻓﻲ ﺩﻳﺎﺭ ﺍﻹﺳﻼﻡ: ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ: ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻋﺎﻣﻼً ﻟﻠﺪﻭﻟﺔ ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﺑﻴﺖٌ ﻳﺴﻜﻨﻪ فليبن ﻟﻪ ﺑﻴتًا ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺑﻴﺖ ﻣﺎﻝ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ. ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ: ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻋﺎﻣﻼً ﻟﻠﺪﻭﻟﺔ ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻪ مركب ﻳﺮﻛﺒﻪ، فليشترِ ﻟﻪ ﻣﺮﻛبًا ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺑﻴﺖ ﻣﺎﻝ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ. ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ: ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ دين ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻗﻀﺎﺀﻩ، ﻓﻘﻀﺎﺅﻩ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺑﻴﺖ ﻣﺎﻝ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ. ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ: ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺳﻦ ﺍﻟﺰﻭﺍﺝ ﻭﻟﻢ ﻳﺘﺰﻭﺝ، ﻓﺰﻭﺍﺟﻪ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺑﻴﺖ ﻣﺎﻝ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ. ﻓﺘﺰﻭﺝ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﺍلأﻋﺰﺏ ﻭﺍﻧﻘﻀﻰ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﻴﻦ ﻭﺑﻨﻲ ﺑﻴﺖ ﻟﻤﻦ ﻻ ﺑﻴﺖ ﻟﻪ ﻭﺻﺮﻑ ﻣﺮﻛﺐ ﻟﻤﻦ ﻻ ﻣﺮﻛﺐ ﻟﻪ.. وتستمر القصة، فاﻟﺸﻜﻮﻯ ﻣﺎﺯﺍﻟﺖ قائمة ﺑﻌﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ أﻣﺎﻛﻦ ﻟﺘﺨﺰﻳﻦ ﺍلأﻣﻮﺍﻝ ﻭﺍﻟﺨﻴﺮﺍﺕ! ﻓﻴﺮﺳﻞ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﻋﺒﺪﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ اﻟﻰ ﻭﻻﺗﻪ: «ﻋﻮﺩﻭﺍ ﺑﺒﻌﺾ ﺧﻴﺮﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﻓﻘﺮﺍﺀ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭﺍﻟﻨﺼﺎﺭﻯ ﺣﺘﻰ يستكفوا»، فأعطوا، ﻭﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﻣﺎﺯﺍﻟﺖ ﻗﺎﺋﻤﺔ، ﻓﻘﺎﻝ: ﻭﻣﺎﺫﺍ ﺃﻓﻌﻞ، ﺫﻟﻚ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺆﺗﻴﻪ ﻣﻦ ﻳﺸﺎﺀ، ﺧﺬﻭﺍ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺒﻮﺏ ﻭﺍﻧﺜﺮﻭﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺭﺅﻭﺱ ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ ﻓﺘﺄﻛﻞ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻄﻴﺮ ﻭﺗﺸﺒﻊ. ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻘﻮﻝ ﻗﺎﺋﻞ: ﺟﺎﻋﺖ ﺍﻟﻄﻴﻮﺭ ﻓﻲ ﺑﻼﺩ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ..
 أرأيتكم ثمرة تطبيق العدالة في الكون، باتت الطيور في أعشاشها مطمئنة.. فكلمة من ثلاثة حروف تقام عليها الدول، فالله سبحانه وتعالى يقيم دولة الأيمان على أساس العدل، والشعوب التي طبقت العدل حققت تقدمًا وإن لم تكن مسلمة، فالغرب والشرق أقام دوله على أساس العدل فذابت الفوارق وانتشرت السعادة والطمأنينة وتأسست الحضارة والتقدم السياسي والاقتصادي، حتى وإن لم يكن بينهم سيدنا علي كرم الله وجهه الذي التزم بحكم القاضي بتسليم سيفه لليهودي لأنه لم يثبت أنه ملكه، في تصرف دفع اليهودي الى إشهار إسلامه، فعلي لم يبخس حق اليهودي في التقاضي ولم يفصل القاضي الذي عينه هو نفسه.
 إذًا العدل ثم العدل.. به يستقيم الحكم ويشعر المواطنون بالمساواة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها