النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الإشاعة والسوشال ميديا

رابط مختصر
العدد 10883 الجمعة 25 يناير 2019 الموافق 19 جمادة الأول 1440

رحمها الله كانوا يسمونها في فريجنا «صوت العرب» لكثرة نقلها للأخبار والإشاعات والسوالف، فهي تخرج من بيت لتدخل آخر تروي أخبارًا معظمها إن لم يكن مجملها إشاعات وفبركات وتخرصات.
بسيطة كانت إشاعاتها مجرد سوالف وحكايات وقصص لا تؤذي احدًا ولا تنال من أحد ولا تثير الفزع في أحد ولا تثير فتنة بين أحد.
كزمانها البسيط التلقائي كانت إشاعاتها بسيطةً تلقائية وربما ظريفةً ايضًا، وكان من أشباهها كثر في كل فريج وبعضهم اطلقنا عليهم «رويترز» نسبة لوكالة الأنباء الأشهر في ذلك الزمن.
فأين منها إشاعات وفبركات عصر السوشال ميديا التي أثارت فينا القلق والهواجس والخوف وأيضًا الفزع.
إشاعات ربما دمرت أسرًا وخربت ولا شك علاقات وأثارت فتنًا وحركات جماعات وأشعلت شوارع «الربيع العربي» وغذت مؤامرات وانقلابات.
من كان يصدق أو يتصور حتى في كوابيسه أن الإشاعة ستكون بهذه القوة وبهذا الحجم من الانتشار وسرعة الانتقال وشدة التأثير السلبي شديد السلبية بين الناس وفي الناس، حتى غدت أيامنا وليالينا إشاعات وتهويلات وفضائح وروايات مثيرة للقلق والغضب والتوجس، حتى بتنا مذهولين عما حولنا لاستغراق كل فردٍ منا في النظر بعيون مفتوحة وقلوب واجفة إلى جهاز الكتروني «جوال ونقال» يجول وينقل فقط الإشاعات والمثيرات للخوف والباعثة للقلق حتى بتنا سلبيين بدرجة مرضية لا شك نحتاج علاجًا، فسلبيتنا الشديدة التي بلغت حدّ التشاؤم ظاهرة غير طبيعية، حتى الضحكة الصافية والابتسامة المطمئنة أصبحنا لا نعرفها.
وكيف ومن أين لنا القدرة على الضحكة الصافية كمثل ضحكات الزمن الجميل، وهذا الجهاز الذي لا يفارق ايدينا طوال اليوم وآناء النهار ينقل لنا مثل هذه الإشاعات المروعة والمفزعة الباعثة في أحسن أحوالها على القلق فتجعلك «تتفزز» حتى وانت مستغرق في نومك، ناهيك عن صحوتك طوال اليوم.
من كان يتصور ولو في الخيال أن الإشاعات ستكون أبرز سمات عصر التكنولوجيا الجديد، وأن الألفية الجديدة سيكون عنوانها «الإشاعة بالتكنولوجيا» وعبر تقنيات السوشال ميديا، وستبرز ألقاب بدون أسماء وبدون هويات لتكون من مشاهير صُناع الإشاعات وفنون الفبركات وأن إنسان العصر الجديد سيكون مستجيبًا بشكل لا يُصدق لهذه الإشاعات بما يعني أن وكالة «يقولون» ستظل اقوى وكالات الأنباء في عالمنا.
في مطلع وعينا السياسي الأول كنا نسمع وكنا لا نُصدق إلا «صوت العرب» وبعد هزيمة أو نكسة 1967 هجرنا صوت العرب إلى إذاعة لندن، لنكتشف أننا ما زلنا ضحايا الكذب والإشاعات بيد العجوز الداهية «إذاعة لندن».
وهجرنا كل شيء من حولنا إلى السوشال ميديا مصدر أخبارنا ومعلوماتنا وحتى ثقافتنا الوحيد، فإذا بهذا السوشال ميديا ينفرد بنا صيدًا سمينًا ويمطرنا إشاعات الفزع، ويحتلنا القلق والهم والغم بما ينقل إلينا وينتقل بنا من إشاعة إلى أخرى أكثر مبعثًا للقلق والهم.
وما بين إشاعة وإشاعة «ضاعت الطاسة» وكدنا لا نتعرف حتى على أنفسنا بعد أن أصبح كل فردٍ منا منزويًا ومختليًا بنفسه وإن كان بين أهله وأولاده واخوته واصدقائه بهذا الجهاز الساحر الذي أصبح كل شيء بالنسبة لنا.
ولذا لم أستغرب حين طلب المذيع من فتاة شابة جميلة في أوروبا أن تنزل إلى النهر سباحةً في الصقيع والتجمد لتفوز بجهاز جوال ونقال، ففعلت مسرورة وقطعت النهر سباحةً في ذروة البرد والصقيع وفي النهر شبه المتجمد، فنحن في عصر السوشال ميديا والجوال أغلى الأشياء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها