النسخة الورقية
العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

ضريبة القيمة المضافة وخلق القيمة المضافة

رابط مختصر
العدد 10882 الخميس 24 يناير 2019 الموافق 18 جمادة الأول 1440

كل دول العالم تدير شئونها حكومات منتخبة او معينة، وهذه الحكومات، من أجل إدارة شئون دولها، في حاجة إلى إيرادات مالية تدخل خزينة الدولة. وتتعدد هذه الإيرادات نوعا مع طبيعة النظام السياسي والاقتصادي للدولة. حكومات الدول ليست موازية لمجالس إدارات مؤسسات اقتصادية، من أنشطة تجارية وصناعية وخدماتية، بل إن هذه الحكومات تعتمد على موارد مالية تأتيها من النشاط الاقتصادي في الدولة، من خلال الضرائب بانواعها، ومنها ضريبة القيمة المضافة، والرسوم.
حسب احصائيات عام 2018 فإن 166 دولة من مجموع 193 دولة في العالم تطبق نظام ضريبة القيمة المضافة، بما في ذلك أغنى دول العالم وأكثرها تطورا، وهي الولايات المتحدة ومجموعة الدول الاوروبية واليابان والصين وروسيا. فرنسا وألمانيا هما اول من طبق نظام الضريبة المضافة في العالم اثناء الحرب العالمية الاولى على شكل ضريبة الاستهلاك العام.
هناك عدد محدود من الدول، ومنها الدول الخليجية، لم تكن في حاجة إلى تطبيق نظام ضريبي على الدخل ولا نظام ضريبي على القيمة المضافة نتيجة لوجود وفرة من موارد طبيعية كانت تدار مباشرة من قبل حكومات تلك الدول، وكان حجم المورد المالي الذي يدخل خزينة الدولة من هذه الموارد الطبيعية كافيا لدفع المستحقات للمشاريع والرواتب والمصاريف المتعددة الاخرى. ولكن هذا الحال لم يدم طويلا.
 فبالنسبة لهذه الدول التي أنعمت عليها الطبيعة بوفرة من مصادر الطاقة، من نفط وغاز، فقد دخلت حكومات تلك الدول في اتفاقيات مباشرة مع الشركات العالمية للاستثمار في أراضيها واستخراج مواد الطاقة وتخزينها ومن ثم تسويقها، وكان جزء من الريع من هذا النشاط الاقتصادي يدخل في خزينة تلك الدول مباشرة، وكان هو المصدر الأساس كمورد مالي لخزينة الدولة. ومع التطورات السياسية وتحول المعادلات في العلاقات الاقتصادية، تحول الاستثمار الأجنبي للطاقة في تلك الدول بالكامل إلى الدول صاحبة موارد الطاقة، فكان ما اتفق على تسميته بعملية التأميم، ومع هذا التحول النوعي تضاعف الوارد المالي إلى خزينة الدولة، فأصبحت الدولة هي الراعية، وهي التي تنفذ المشاريع وتخصص الأموال اللازمة لمختلف أوجه الصرف في الدولة. ولكن التحولات الاقتصادية، مع تراكم الأزمات وتدني أسعار الطاقة مع شحها، حصل بالنتيجة الطبيعية خلل (نقص) في حجم الوارد المالي إلى خزينة الدولة، ما خلق عجزا (متوقعا) في الموازنة العامة للدولة، واقتضى هذا العجز الاستدانة من المؤسسات المالية العالمية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي. هذا الواقع الجديد خلق تحديات مالية واقتصادية امام هذه الدول تمس سلبا استراتيجية التنمية المستدامة. الدولة أمامها التزامات داخلية وخارجية، عليها أن توفر المال اللازم لدفع أصول الديون وارباحها، هي ملزمة بالمضي في تنفيذ جميع المشاريع وتوفير المال للمصاريف المتعددة، ومنها رواتب الموظفين في الدولة، والمحافظة على التوازن الاقتصادي في الدولة، والعمل على عدم إنهاك المواطن، خاصة وأن المواطن يتحمل جزءا من المسئولية المالية، من خلال نظام ضريبة القيمة المضافة، لتوفير المال لخزينة الدولة.
هذه هي آلية ومقتضيات اعتماد تطبيق نظام ضريبة القيمة المضافة، وهي في الواقع العملي ضريبة على السلع والخدمات، ولكن النظرة الاقتصادية الشاملة مع استراتيجية التنمية المستدامة تقتضي منا النظر إلى ضريبة القيمة المضافة في موازاة عمل القيمة المضافة (العمل وخلق القيمة)... فنحن أمام مرحلة تحول تاريخي، وحالة ما بعد التحول هي التي ستسود، هذا التحول يمثل نقلة نوعية لعجلة الاقتصاد، الانتقال من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد الانتاجي، وهذه النقلة ليست بالمهمة اليسيرة وقد لا تكون سلسة، ولكنها ضرورية وحتمية... الاقتصاد الانتاجي الناجح والفعال ينتج عنه قيمة اقتصادية مضافة.
مؤسس علم الاجتماع والفيلسوف والضليع بعلوم الاقتصاد، المفكر الكبير ابن خلدون، وليد القرن الرابع عشر، استنتج من دراساته في علم الاجتماع وآلية العمل في بنية الاقتصاد، أن «القيمة هي نتاج العمل»، فالعمل هو الذي يخلق القيمة، وبعد ثلاثة قرون، أي في القرن السابع عشر، أكد عالم الاقتصاد الرأسمالي آدم سميث الإنجليزي في كتابه «ثروة الامم» على المبدأ الذي استنبطه ابن خلدون الأندلسي حول العلاقة (الجدلية) بين القيمة والعمل...
ضريبة القيمة المضافة في غياب عمل القيمة المضافة سترهق الاقتصاد وتنهك المواطن، إلا إذا ساهمت إيرادات الضريبة على القيمة المضافة في بناء بنية أساسية للاقتصاد الانتاجي، ومواصلة العمل على تطوير البنية الأساسية للاقتصاد، والذي لا يمكن بدونه خلق قيمة اقتصادية مضافة، وهو القاعدة الأساسية للتنمية المستدامة، طبعا مفهوم «التنمية المستدامة» ليس شعارا ولا نشيدا وطنيا، ولكنه استراتيجية وطنية مصيرية، وهو الذي يحدد مدى المسافة بين نجاح الأمة وفشلها، وهو المؤشر في تحديد طبيعة العلاقة بين البناء التحتي والبناء الفوقي في الدول (أي العلاقة بين المواطن والدولة)... ومع التحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي وما يقتضي ذلك من فرض ضروب من الرسوم والضرائب على المواطن فإن الميزان التجاري يكتسب أهمية مفصلية، ولابد من إدراج عمليات الاستيراد والتصدير وما ينتج عنهما من معادلة للميزان التجاري في الاستراتيجية الاقتصادية، ومن مقتضيات هذه الاستراتيجية الاقتصادية رصد حالة القوة الشرائية عند المواطن، بحيث أن مساهمة المواطن في توفير المال اللازم لخزينة الدولة تأتي من موقع القدرة والاقتدار والاستعداد النفسي وليس من موقع ضعف الضعيف الذي لا حول له ولا قوة وتحت ضغط نفسي. فالدولة أمام تحدٍّ اقتصادي ثقيل يلامس خط الحرج (critical Line)، خط الحرج الذي يفصل بين النمو والتدهور في الاقتصاد.. إن هذا التحدي الاقتصادي هو مرآة للتحدي الاجتماعي وما ينتج عنه من تداعيات سياسية. بالنتيجة فإن الأمر الحرج ليس في فرض ضريبة القيمة المضافة بذاتها، ولكن في كيفية استثمار المردود المالي من هذه الضريبة...
من المفترض أن الإيرادات من هذه الضريبة ومن الرسوم الأخرى ستساعد الحكومة في تنفيذ المشاريع الاستثمارية القادرة على خلق وظائف جديدة وفي المصاريف غير الاستثمارية، والموازنة بين المصروفين في حاجة إلى معادلة إقتصادية يكون محصلتها مردودا ماليا مضافا إلى المردود الضريبي وإلى الإيرادات التقليدية للدولة، بما في ذلك ما تبقى من ما يدره المخزون الطبيعي من نفط وغاز...
الضريبة على القيمة المضافة هي مساهمة الوطن بمواطنيه في تدفق المال إلى خزينة الدولة، فإذا لم تساهم هذه الضريبة في تطوير الاقتصاد الوطني، فإن هذه المساهمة الضريبية سترتد على المواطن بفواتير من الإنهاك المعيشي وتآكل القدرة الشرائية، وبالنتيجة الاحباط المحسوس اجتماعيا والمكلف سياسيا...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها