النسخة الورقية
العدد 11088 الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42PM

كتاب الايام

بشر القمامات في المدن النفطية!

رابط مختصر
العدد 10882 الخميس 24 يناير 2019 الموافق 18 جمادة الأول 1440

يلفت نظرك بكل سهولة في المدن الخليجية الجديدة ظاهرة حجم الاستهلاك المجتمعي من خلال قراءة وملاحظة أولية على حاويات القمامات الكبيرة، التي توزعها البلديات بين الأحياء والمناطق، والاستهلاك ظاهرة لها وجهان الأول إيجابي باعتبار ان تلك القمامات تعبر عن المستوى المعيشي المرتفع للسكان ومدى بحبوحة تلك المدن، التي يحسدها الآخرون من بحبوحة تلك النعمة والتخمة، فالاستهلاك بمنحاه الايجابي كثيرًا ما سعت له الانسانية منذ بداياتها، فكلما انتجنا كثيرًا لدرجة الوفرة والفيض الانتاجي ما عاد الفرد من السكان هلعا ماذا يأكل غدًا او بعد غد، وما الذي يلبسه في حياته اليومية، فخزانته مكدسة بملابس وفيرة بماركات عالمية، وثلاجته تحتفظ ببضائع فائضة عن حاجته في مجتمع بدت المطاعم منتشرة في كل زاوية وركن، فيما عاش الانسان البدائي في مجتمع الصيد، يعيش بهاجس الصدفة والحظ وعطاء القدر في رحلة يومية صعبة نحو البحر والغابة والصحراء ولمسافات مشي طويلة، بين تلك الحالتين التاريخيتين، بين مجتمعات الوفرة والرخاء في مدننا الحديثة وعالم ما قبل التاريخ البائس، فلا بد أن يصبح الاستهلاك الناتج من تطور اجتماعي – اقتصادي مسألة ايجابية محمودة، ولكننا في ذات الوقت، نرى تلك القمامات وحاوياتها المكدسة بسلع ومواد في مجتمعات اخرى في الدول النامية وحتى المتطورة لا تحذف ويستغنى عنها دون سبب، بما فيها الأطعمة والمواد الغذائية.
من هنا تصبح مدن القمامات في مجتمع استهلاكي محموم، مبذر، لا يعرف كيفية إدارة نفقات حياته بحكمة ودراية سلوك سلبي، وأنا هنا لا أستعرض حالة المجتمع تفصيليًا بشرائحه وطبقاته، ولا توجد دراسة إحصائية تحت يدي تحدد مدى استهلاك وتبذير كل بيت ومدينة ومنطقة، غير أن الملاحظة العامة بالنسبة لي هي مؤشر حجم الحاويات في المناطق المختلفة، والتي أثارت عندي فضول هؤلاء الناس «الجرذان البشرية» الذين يشكلون طابورًا آسيويًا عريضًا متخصصًا في جولاته اليومية في النبش داخل تلك الحاويات، فلعله يجد ساعة يد ذهبية سقطت صدفة في تلك الحاويات أو تم ترتيب سرقتها مع شغالة البيت ووضعت إشارة خاصة على تلك الأكياس السوداء، بأن بها سلعة ثمينة تستحق البحث عنها والاحتفاظ بها، وبما ان تلك القمامات تعكس بؤس شريحة اجتماعية بشكل عام، وظاهرة خليجية جديدة جاءت بعد نعمة الطفرة النفطية، فبيوت زمان في البحرين بعضهم لم يعرفوا طعم الفواكه ولم يلعب أطفالهم بتلك السيارات والألعاب الالكترونية، فكل شيء كان يصنع من الورق المقوى الذي كان بعض من أهل البحرين الفقراء يجلبونها من أمكنة الزبالة والتي كنا نسميها «الكجرة». اليوم فقراء البحرين استغنوا وهجروا تلك الظاهرة واستبدلوها بوسائل أخرى لحل معضلاتهم الاقتصادية، في زمن كثرت فيه الجمعيات الخيرية وتطور الوعي المجتمعي التطوعي في مساعدة الفقراء والمحتاجين.
هؤلاء البشر الذين أتحدث عنهم ويشاهدهم معي كل شعب البحرين، قادمون من عمالة سائبة بلا عمل نسميها «فري فيزا»، تخرج بحثًا عن قوت يومها وتجمع ما في تلك القمامات من فضلات وحاجات قابلة بعد الفرز للبيع والشراء لأصحاب مهن أخرى يروجونها لطرف ثالث ورابع يستفيد منها، في بلد ربما اعادة تدوير تلك القمامات مازالت في مرحلتها البدائية، بل وثقافة ووعي المجتمع بها محدودًا، واللامبالاة بثقافة حماية البيئة وغيرها من قضايا لا زالت في طورها الاولي، حيث تلك الثقافة لا يمكنها أن تتطور في وقت متأخر من العمر، فالعادات القديمة استحكمت فينا في العمق من وعينا وسلوكنا، وعلينا التركيز على جيل الفتيان والاطفال، بغرس روح المسؤولية تجاه البيئة بما فيها تلك القمامات، التي يعلمنا جامع تلك القمامات من فضلات تلك الحاويات، أن ما يفعله - رغم انه بسبب الحاجة المعيشية الضاغطة - إلا انه في حقيقته درس مهم في إعادة النظر لأنفسنا، النظر داخل المرآة لنمط من الحياة، حان الوقت لإعادة إنتاجها بشكل مختلف، فالترشيد في الانفاق، ليس قيمة او عادة او سلوكًا سلبيًا وسيئًا، وإنما عمل حضاري متقدم، فما ننفقه من موارد وسلع دون معنى، هي نتاج وثمرة إنسانية طويلة جاءت بعد مجهود إنساني طويل، وعلينا ان نتعلم كيف نصونها ونحفظها للأجيال القادمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها