النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

التعليم العمومي.. الحق، والروح والمكتسبات (2ـ2)

رابط مختصر
العدد 10881 الأربعاء 23 يناير 2019 الموافق 17 جمادة الأول 1440

استكمالا للمطارحة المنشورة يوم الاثنين الماضي بذات العنوان أعلاه، حول بعض الدعوات إلى التخلص من التعليم العمومي وتفكيكه وتصفيته، وربما تحويل المدارس الحكومية إلى مدارس مستقلة، أو منح ولي الأمر «نصيب أبنائه» من المال المخصص للتعليم الحكومي ليتصرف فيه، بما يراه مناسبا (هكذا!)، نورد في هذه المطارحة الثانية عددا من الملاحظات التي تستكمل الصورة حول هذه الدعوة وما تقوم عليه من تضليل، وما تؤشر إليه من خطورة تتهدد المكتسبات التي تحققت في المجال التعليمي خلال العقود الماضية كان خلالها التعليم العمومي أساس النهضة والتقدم وبناء القدرات البشرية الوطنية:
- أولاً: الفكرة التي تقوم على الدعوة الى خصخصة التعليم العمومي قد تغري البعض، خاصة عندما يتم تزيينها بالادعاء بأنها ناجحة ومنتشرة في العالم، والادعاء بأن التعليم العمومي ضعيف وأن المدارس المستقلة سوف تحقق نقلة في مستوى جودة التعليم. وقد بينا في المقال السابق أن مجمل هذه الحجج التي تساق هي مجرد ادعاءات فارغة لا قيمة لها أمام الحقائق والتقارير والأرقام وأمام التجارب في أنحاء العالم. ولذلك نتساءل هل يعقل أن ندعو إلى الأخذ بفكرة المدارس المستقلة، أو بأي شكل من أشكال الخصخصة للتعليم العمومي تمهيدا لتدميره، في الوقت الذي يتخلى فيه العالم عن هذه الخطوة الجنونية، وخاصة من جرب هذه الوصفة السيئة لعدة سنوات وفشلت عنده فشلا ذريعا؟؟!
- ثانيًا: التعليم العام حق للجميع نص عليه الدستور صراحة، كما نص عليه قانون التعليم رقم 27 لسنة 2005م في المادة الثانية:«التعليم حق تكفله المملكة لجميع المواطنين». كما فصل ذات القانون في المادة السادسة منه واجبات الدولة تجاه هذا القطاع الحيوي. كما ورد الحق في التعليم في العديد من المواثيق والإعلانات الصادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها الخاصة، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 26، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته 13، واتفاقية حقوق الطفل في المادة 28 وفي المادة 23 التي تتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة، كما يحدد القانون الدولي لحقوق الإنسان وبوضوح بأن الدولة هي المسؤول المباشر عن توفير وتقديم الخدمات التعليمية، فهي التي تتحمل المسؤولية الرئيسية عن التقديم المباشر للتعليم. هذا فضلا عن الالتزام الرسمي بتحقيق أهداف 2030 التنموية، والتي تنص في مادتها الرابعة على تحقيق تعليم عالي الجودة بالتساوي للجميع ودعم فرص التعلم طول مراحل العمر.
- ثالثًا: وفي الوقت الذي نص فيه الدستور والقانون على تشجيع الاستثمار في التعليم الخاص بكافة مراحله الدراسية، بترخيص من الدولة وتحت رقابتها، فإن المقاصد من وراء ذلك تتلخص في تعزيز الاستثمار في هذا القطاع الأهلي ليكون مكملا للتعليم العمومي لا نقيضا ولا ملغيا له. وليكون أيضا أداة لتنويع الفرص التعليمية أمام المواطنين وأبناء الجاليات الأجنبية. وهذه عملية جارية بشكل سلس ومن دون عوائق وبنسبة كبيرة في مملكة البحرين تصل إلى نحو 38% تقريبا، وهي نسبة عالية بالمعايير العربية والدولية (تقرير البنك الدولي يؤكد أن حوالي 25% من الطلبة العرب تحتضنهم اليوم مدارس خاصة، وهي ضعف النسبة التي كانت قبل 20 سنة). وهذا أمر يختلف عما تتم الدعوة إليه اليوم من خصخصة فجة تتمثل في «نقل الأصول والإدارة والوظائف والمسؤوليات المتعلقة بالتعليم من الدولة إلى جهات خاصة»، في حين أنه وحتى في القانون الدولي فإن للجهات الخاصة الحرية، في إنشاء المؤسسات التعليمية وإدارتها، على أن تعمل وفق المعايير التي تضعها الدولة، كما أنها ترتبط ارتباطا وثيقا مع التزام الدولة باحترام حرية الآباء في اختيار المدارس الخاصة لأطفالهم إذا كانوا يرغبون بذلك. ومن هنا فإن هذه الدعوة لخصخصة التعليم العام وإفراغه من محتواه باتت تثير مخاوف جدية بشأن الآثار السلبية على التمتع بالحق في التعليم، ولا سيما فيما يتعلق بالحصول على التعليم المجاني والالزامي، والمساواة في الفرص التعليمية وجودة الخدمة التعليمية واستدامتها عبر الأجيال المتعاقبة، وضمانها للبعدين التعليمي والتربوي والوطني في ذات الوقت. (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966(المواد 2 و13، التعليق العام رقم 13).
- رابعًا: ومادام التعليم العام حقا تضمنه الدولة، فإنه لن يتأتى إلا من خلال مدرسة حكومية متاحة للجميع، للغني والفقير معا وعلى قدم المساواة. مع عدم وجود أي عائق قانوني او سياسي أمام مشاركة القطاع الخاص في بناء التعليم الخاص المرخص من الدولة، بما يساعد على تخفيف مشكلة نقص التمويل العام للتعليم، بل إن الباب مفتوح والتشجيع موجود بما فيه الكفاية.
- خامسًا: إن مناقشة الدعوة الفجة للتفريط في التعليم العمومي، تكشف عن مخاطر تغليب وتطبيق إيديولوجيا السوق في مجال التعليم، وذلك استنادًا إلى ثوابت القانون (الوطني والدولي). فالدعوة إلى إلغاء التعليم الحكومي تتعارض مع الالتزامات المحمولة، بمقتضى هذا القانون، على الدولة لكفالة الحق في التعليم للجميع. كما أظهرت هذه المناقشة الارتباط الوثيق بين التعليم وحماية الأمن القومي والمخاطر التي سيصبح هذا الأمن عرضة لها في حال التفريط فيه وتركه ضحية لمنطق السوق. هذا فضلا عن المخاطر الأمنية والسياسية والمدنية والاجتماعية للخصخصة الكاملة للتعليم العمومي، من ذلك الخطر على تماسك الكيان الوطني ووحدة الثقافة الوطنية ووحدة المشروع الوطني وتجانس الآثار التعليمية على الصعيد المدني وتوافق المخرجات التعليمية مع الاحتياجات والأولويات الوطنية. هذا فضلا عن العلاقة المباشرة بين السياسة التعليمية الوطنية وبين هندسة التغييرات الاجتماعية وإنفاذ مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص إلخ. وضرورة المحافظة، وعليه، علينا المحافظة على التعليم العمومي وعدم التفريط فيه، باعتباره صمام أمان وأداة استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر المرافقة للتنوع والاختلاف والتغيير.
بقي أن نقول لدعاة التفريط، إن التعليم، كما قال الزعيم الفرنسي شارل ديجول، وهو يقود معركة إعادة بناء فرنسا بعد تحريرها من قبضة النازية: هو «إسمنت الأمة»، وإن التخلي عن هذا «الإسمنت» سيعني، تحويل مخرجات المدارس البالغة التنوع بلا مرجع أو استراتيجية جامعة أو منهج وطني إلى ذرات متناثرة منفرطة بعيدة عن أية مشتركات قيمية أو رؤية وطنية جامعة.
درجة فوق الهمس
لماذا يحاول البعض أقناعنا مثلا بأنهم وطنيون عندما تكون الغلبة للوطنيين، وأنهم قوميون إذا كانت الغلبة للقوميين، وبأنهم مسالمون إذا كانت الغلبة للمسالمين، ولكنهم يخفقون إخفاقًا ذريعًا إن حاولوا أن يبرهنوا أنهم صادقون إن كانت الغلبة للصادقين؟؟؟!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها