النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الدكتور محمد الأنصاري تاريخ وذاكرة

رابط مختصر
العدد 10879 الاثنين 21 يناير 2019 الموافق 15 جمادة الأول 1440

 دون شك لا تفي مقالة واحدة في الحديث عن مسيرة وتاريخ الدكتور محمد جابر الانصاري ومجالاته وانشطته المتنوعة، في ذكرى اليوبيل الذهبي لتأسيس اسرة الادباء والكتاب البحرينية، والتي تأسست سبتمبر عام 1969ـ2019، في يوم من ذاكرة البحرين الثقافية وهي في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أفاق ومعالم الدولة العصرية الحديثة والمستقلة في أوج الانتظار والترقب، فقد كان مناخ البحرين الداخلي، الثقافي والسياسي، يضج بحراك وحيوية متميزة.
في هذه الفترة المهمة من تاريخ البحرين السياسي واهمية تحديد معالم الانتماء للبيت العربي الكبير، سيطرح الدكتور الانصاري وهو في ريعان شبابه مع لفيف من الشباب المبدع والجديد، فكرة تأسيس اسرة الادباء والكتاب البحرينية كمشروع يؤسس ويؤطر لحركة ثقافية وادبية رائدة في البحرين. هذا الطرح المبكر للانصاري ولفيف من الشباب المبدع الجديد عكس الانطلاقة والحلم الحقيقي لمشعل الكلمة التى تفجرت مؤسسيا ولم تتوقف حتى هذه اللحظة، بقدر ما الابداع ظل مستمرا ومتنوعا جيلا بعد جيل. كما قلت في بداية المقالة أن إيفاء الانصاري حقه كاملا ليس هنا مجاله، فقد كان عطاء الانصاري غزيرا وغنيا وقد تقلد مناصب رفيعة واكاديمية وثقافية كان آخرها واهمها منصب المستشار الثقافي لجلالة الملك. رجل بهذه القامة الثقافية والفكرية انغمست وأنشغلت باسئلة ودراسات اسلامية وعربية ظلت تشغل ساحة المثقفين العرب لأكثر من نصف قرن، حول قلق ومحنة التيارات العربية والاسلامية. لم تكن تلك مهمة سهلة كما نعتقد، ولكن الانصاري عمل جهدا واسعا في تقصى اسئلته كأي باحث ابستمولوجي يتطلع لمخارج واجابات لتلك الازمات الكبرى، ظلت اسئلة الانصاري عن الامة العربية والوحدة العربية ودولها وتشظيها وتداخل الاسلامي والعروبي في بنية فكر هذه الامة وشعوبها، مصدرا من مصادر التوغل البحثي المستمر في فكر الانصاري، بربط هذه الاسئلة بحضارات عالمية كبيرة كالتجربة اليابانية وغيرها.
هذا الانشغال السياسي ـ الفكري رافق الانصاري وهو في عز الشباب كطالب في الجامعة الامريكية وعضو في تنظيم حركة القوميين العرب رغم التحولات المعرفية في مسيرة حياته. دون شك لكل مثقف مراحل تطور فكرية مختلفة، واسئلة وتقصي معرفي متنوع مستجد، فالانصاري الشاب ليس كما هو الانصاري في العقد السادس والسابع من عمره، ففي تلك السنوات الخصبة بالتجارب الحياتية والرحيل نحو الثقافات الكونية، اكسبته عمقا وحيرة وتلمسًا لتلك الاسئلة التي كثيرا ما كانت تشكل له قلقا وهاجسا داعب فكر المثقف والاكاديمي والباحث في آن واحد كما هي شخصية الدكتور الانصاري. مع تقليبي ومروري على اسماء مثقفة كثيرة في بلادنا، اجد أن الانصاري في هذه المناسبة اليوبيلية للاسرة انه جدير ليس بالتكريم المميز وحسب، وإنما باصدار اعلى جائزة وميدالية تقدمها الاسرة، سواء للضيوف خارج البحرين أو للادباء والمثقفين وكل من اعطى في مجال المعرفة، أن تمنح تلك الجائزة الرفيعة باسم «جائزة محمد الانصاري للفكر والابداع والثقافة» (اترك اختيار التسمية لاسرة الادباء والكتاب انفسهم).
حان الوقت لكي نترك للشيب الابيض وحكمة العقل والحياة المريرة من التجارب، أن نجعلها وحدها من تقوم بعملية التقييم الموضوعي لكل المبدعين في البحرين، دون أن نترك للحماسة والانفعال والغضب الشبابي من كل رمز، هي التي تتحكم في رؤيتنا للاشخاص والسلوكيات والمعرفة. لقد شكل غياب الانصاري عن الساحة السياسية والثقافية في السنوات الاخيرة بسبب مرضه وحالته، خسارة كبيرة لدوره ومكانته الواضحة في بلادنا. أن تعطل قلم وعقل شخصية بحجم الانصاري قبل الاوان هي طامة كبرى عرفها تاريخنا المعاصر في مجال الثقافة والفكر والابداع. جميعنا راحلون مع قطار الزمن، جميعنا نلوح بايدينا للمسافات النائية، فهناك في الافق البعيد فتى يافع من المحرق، ولد ذات يوم في بيت صغير من بيوت الفقراء، ليصبح شعلة للوطن بأكمله ورمزا من رموزه الثقافية النيرة في تاريخه المعاصر. سلاما عليك، سلاما اليك، في هدوئك وصمتك ومعاناتك الكبرى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها