النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

المدرسة العمومية في مواجهة المنطق الرأسمالي العقيم! (2-1)

رابط مختصر
العدد 10879 الاثنين 21 يناير 2019 الموافق 15 جمادة الأول 1440

قال الصديق المشاكس مستفزا:
«أراك لا تعقب على الدعوة التي ترددت مؤخرا على ألسنة المعادين للتعليم العمومي، بمن فيهم بعض النواب الجدد، والتي تنادي بتصفية التعليم الحكومي، وتفريغ وزارة التربية والتعليم للإشراف والرقابة فقط. فلماذا تتحفظ على التعقيب، مع أن الموضوع جلل وخطير ولا يسكت عنه؟».
قلت: «هنالك العديد من الموضوعات الجليلة التي تمر أمام أعيننا وتصل أسماعنا يوميا ولا نقوى على التعليق عليها، لأسباب عديدة، منها واجب التحفظ، ولكن بالنسبة لهذا الموضوع تحديدا، فإن الإصداع به من خلال من يحمل صفة النائب البرلماني يبعث على القلق. فلو أن الأمر بقي في حدود ما يكتبه كاتب صحفي، فإنه يظل مجرد تعبير عن وجهة نظر، أما ان تصدر الدعوة من داخل المنبر فإنها تتجاوز نطاق وجهة النظر إلى العمل الجاد والمؤسسي على التغيير. ولذلك وجب التوقف عندها لمناقشتها بشكل رصين وموضوعي».
 قال الصديق: «الطريف في هذه الدعوة هو اقتراح تحويل الموازنة التي تخصصها الدولة للتربية والتعليم لتوزع على أولياء الأمور (بمتوسط 2700 للطالب الواحد)، وبصراحة هذا المبلغ مغرٍ والجميع سوف يوافق عليه إذا ما طرح الأمر على الناس»!!
 قلت: «بغض النظر عن مدى صحة هذا الرقم من عدمه، أو الأساس الذي قامت عليه المعادلة، فإن موضوع التعليم مسألة وطنية استراتيجية. والمخيف في تقديري هو فحوى هذه الدعوة، لا تفاصيلها. فقد يكون في التعليم العمومي بعض المشكلات، ويحتاج إلى المزيد من التطوير- وهي ذات المشكلات التي لا يبرأ منها التعليم الخاص أو أغلبه على الأقل- غير أن الحل لا يأتي مطلقا من خلال تكريس هذا المنطق الرأسمالي الفج، والذي يلجأ إلى اختزال الأمور، وتحويل التعليم إلى مجرد بضاعة استهلاكية، لتقدم إلى الجمهور في شكل معادلة حسابية مبسطة ومغرية، مع تلبيسها بمنطق يفتقر إلى الجدية».
قال الصديق محتجا:
«إني أراك تتخذ موقفا محافظا يرفض كل جديد، فما هو الضرر لو أن الدولة منحت المواطنين المبالغ المصروفة على التعليم العمومي، ليختاروا تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة أو فيما يسمى بالمدارس المستقلة؟؟».
قلت:
«فكرة المدارس المستقلة التي ينادي البعض بتطبيقها اليوم، سبق وأن طبقها قبلنا عدد من الدول الليبيرالية انطلاقا من خلفية ديمقراطية مفادها: (حق ولي الأمر في اختيار التعليم الملائم لأبنائه من بين المعروض التعليمي في سوق التعليم). وقد عرفت هذه التجارب، بلا استثناء فشلا ذريعا، وسقطت سقوطا مدويا. ولا يعقل بعد فشل هذه التجربة في العالم المتقدم، أن نحيي هذه الفكرة السيئة وهي رميم. إلا إذا كنا لا نرى ولا نسمع ولا نعتبر ولا نستخلص الدروس من الحادثات!
ويمكن هنا أن نستدل بما ينشر في الصحافة الأجنبية، وبالتقارير الدولية، ونحيل المتحمسين لهذا النوع من المدارس إلى مقال منشور في صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكية بتاريخ 22 يونيو 2018م، بعنوان: (المستقلة تلحق الأذى بالتعليم العمومي في الولايات المتحدة الأمريكية)، حيث تضمن المقال الإشارة إلى أن (عدد الطلبة في المدارس الحكومية الأمريكية هو 50 مليونا، في حين أن عدد الطلبة في المدارس المستقلة الأمريكية لا يتعدى 3 ملايين فقط، أي أقل من 6%).
والمثال الثاني يأتي من نيوزيلندا التي أنهت تجربة المدارس المستقلة في العام 2018، وتراجعت عنها تماما، وأعادت دمجها ضمن المدارس الحكومية، لأن (تلك التجربة كانت فاشلة ومكلفة). هذا ما قالته الحكومة النيوزيلندية نفسها. كما نحيل المتحمسين جدا إلى خصخصة التعليم العمومي وتصفيته وإفراغه من محتواه، إلى ان التوجه العام في مجال التربية والتعليم في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والتي تضم 34 دولة عضواً، معظمها من الدول المتقدمة يقوم أساسا على التعليم العمومي الذي تموله الحكومات ويبقى هو الأساس، مع ان الأغلبية الساحقة من هذه الدول هي دول رأسمالية مائة في المائة. والتعليم العمومي فيها يشكل ما نسبته 90% في أغلب هذه البلدان، بحسب تقرير نشرته هذه المنظمة في العام 2018م».
قال الصديق:
«إذا كان الأمر على هذا النحو في البلدان الرأسمالية نفسها، فلماذا تصف الدعوة الى تخصيص التعليم العمومي بأنها تنطلق من منطق رأسمالي العقيم؟».
 قلت: إنه النقل الأعمى للتجارب- يا صديقي - وهو أسهل (وأخطر) ما يمكن أن يقترحه المتطفلون على هذا القطاع، أو غير المتخصصين الذين غالبا ما تحركهم العناوين البراقة والرؤى السطحية العجولة، من دون اطلاع أو دراسة أو حتى استيعاب لما يقولون ويعلنون. فالتعليم يا صديقي ليس سلعة رأسمالية تحسب بالفلس والدينار إنه مسالة أمن قومي. وللأسف فهذه النظرة التبسيطية التي يعبر عنها البعض محزنة في سطحيتها، خطيرة في توجهها وتسطيحها للأمور. خاصة بالنسبة للذين يضخمون منطق السوق ويعتبرونه الأعلى والاقدس يعلو على كل شيء، حتى على المصلحة الوطنية، فلكل شيء مكان في المزاد والسوق. هذا هو الشعار للأسف.
أما المنطق الرأسمالي العقيم، فإننا نقصد به منطق الاستهلاك من دون إنتاج أو ابداع. ولا نقصد به النظام الرأسمالي في حد ذاته، فالتعليم العمومي في المانيا الرأسمالية يصنع المرسيدس والبي ام، وفي اليابان يصنع التويوتا، وفي فرنسا يصنع الطائرات والأدوية، وفي بريطانيا يصنع الجاكوار، وفي أمريكا يصنع الصواريخ العابرة للقارات والاقمار الصناعية، وفي جميع الدول المتقدمة، يشكل التعليم العمومي قوة الدفع الرئيسة وهو رأس حربة التقدم والدفاع عن هوية البدان وحدتها الوطنية.
أما المتعطشون لتصفية التعليم العمومي، فنحيلهم بهدوء، إلى ما قاله سياسي عظيم نيلسون مانديلا عندما أكد أن «التعليم العمومي الذي تقدمه وتقوده الدولة هو الذي يبني الدولة وهو القوة التي تغير العالم». ونحيلهم إلى ما كان يقول عالم الرياضيات والتربوي الفرنسي «لويس رينيه» حول التعليم: «التعليم الوطني هو الذي تقدمه الدولة، لأن لكل دولة الحق في توجيه مواطنيها عبر التعليم؛ ويجب أن يُربّى أطفال الدولة من قبل الدولة ومؤسساتها التربوية».
قال الصديق محتجا:
«هذه الفكرة قد تبدو قديمة، وتجاوزتها الأحداث، فالعالم اليوم ينادي بتنويع الفرص التعليمية وجعل الخيار للآباء بين تعليم حكومي محافظ، وتعليم خاص منفتح».
قلـت:
«أولا هذا مجرد ادعاء لا يقوم على صحته أي دليل أو حجة، ولا تؤيده الدراسات ولا الأرقام المستقرة في التقارير الوطنية أو الدولية، هذا فضلا عن أن الدول تحتاج الى السيطرة على التعليم لبناء وحدتها الوطنية بداية، وتكريس هويتها القومية ثانيا، وتعزيز كيانها السياسي ثالثا. فلكل أمة نظامها التعليمي الخاص بها والذي يعكس هويتها كما يعكس منظومة قيمها، والتوجهات السياسية للدولة، بحيث يعكس التعليم في كل دولة رؤية البلد اجتماعياً وثقافيًا، فهو ليس مجرد خدمة، لأنه يسهم في بناء الأجيال لتتمثل لغتها وهويتها وروحها ورؤيتها السياسية».
وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها