النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10910 الخميس 21 فبراير 2019 الموافق 16 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:35AM
  • العشاء
    7:05AM

كتاب الايام

غضب في ضواحي باريس 3/‏3

رابط مختصر
العدد 10875 الخميس 17 يناير 2019 الموافق 11 جمادة الأول 1440

ظل قلب باريس ينتظر مرتجفاً، فيما واصلت أجراس نوتردام صمتها، ولعلّ شتاء باريس لن يكون قاسياً كما هي لحظاته الحالية، فلوعة الفرنسيين أكبر من لهيب الطرقات المشتعلة والخسائر المجنونة.
جاء خطاب الاثنين التاريخي لماكرون كالماء الفاتر على المحتجين، حيث انقسموا الى قسمين «مقتنع وغير مقتنع!» بما ورد في خطابه، ولكنه في حقيقته سكب الماء قليلاً على نيران غضب أصحاب السترات الصفراء، بتقديم تنازلات مهمة، دون أن يمس برنامجه ونموذجه الاقتصادي، فلا يمكن في التفاوض تحقيق أربعين مطلباً، كما هي مطالب السترات الصفراء المستحيلة. غير أن المهم من خطاب ماكرون أنه 1- رفع الحد الأدني للأجور بمئة يورو ليصبح قريباً من 1600 يورو شهرياً، محملاً، الخزينة العامة هذه الزيادة بدلاً من أرباب العمل. 2- ألغى الضرائب على الدخل من ساعات العمل الاضافية 3- التراجع عن زيادة الضرائب على الديزل (المحروقات)، ويصطدم برنامج ماكرون لتحرير الاقتصاد بالتقاليد الاشتراكية العميقة في النموذج الفرنسي، ففرنسا واحدة من أعلى معدلات الانفاق الحكومي بين الدول الغنية، الاعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ أن حجم ميزانيتها يقارب 57% من ناتجها المحلي الاجمالي البالغ 2.36 تريليون يورو. دون شك انفاق ضخم على الصحة والاعانات الاجتماعية (715 مليار يورو) سنوياً، ولا تزال قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والاعلام والنقل العام تحت الهيمنة الحكومية.
ويحظى الموظفون الحكوميون بامتيازات أفضل مما لدى القطاع الخاص. غير أن هناك أعراضاً جانبية للنموذج الاشتراكي، فالرعاية الاجتماعية تعني إنفاقاً ضخماً وعجزاً ثقيلاً ومديونية عامة تبلغ 97% من الناتج المحلي الاجمالي في وقت ينحو القطاع العام للترهل!. وبذلك يكون منح العمال تلك المزايا له ثمن اقتصادي، هذا النموذج الاشتراكي الذي عمره أربعة عقود المدعوم بالاتحادات العمالية القوية شكل عامل قلق لدى أرباب العمل، محاولاً ماكرون ببرنامجه وحكومته هز النموذج الفرنسي في العمق مقدماً نموذجاً جديداً يقوم على ركيزتين:
 1 ـ خلق فرص العمل، وإن بمزايا وتقديمات أقل.
 2 ـ الميزانية العامة لخفض العجز واحتواء المديونية.
تدفع تلك المعضلة الاقتصادية - الاجتماعية الى التضحية بالكثير من مزايا العمالة لصالح تشجيع الشركات على الاستثمار وخلق المزيد من فرص العمل، وإن بمزايا أقل، ومن أجل ذلك وجه ضربة للقوة التفاوضية لاتحادات العمال من خلال زيادة مجالات التفاوض على مستوى الشركات. كما أعاد هيكلة منظومة الضرائب بشكل كامل، يخدم في مضمونه الشركات، وبذلك اتهمته حركة السترات الصفراء بانحيازه للاغنياء، بدا واضحاً في إلغاء «الضريبة التضامنية على الثروة» وهي ضريبة كبيرة على الاثرياء أدت الى تنازل المئات من الفرنسيين عن جنسياتهم. (فلا وطن للرأسمال!).
لا يبدو أن المحتجين فهموا ما قاله الرئيس او اقتنع به، مع العلم ان الضغوطات الشعبية دفعت ماكرون الى التنازل لبعض المطالب، والتي ستكون لحكومته تكلفة اضافية لميزانية العام المقبل بما يتراوح بعشرة مليارات يورو، وعجز سيرتفع من 2.8% (كان مخططاً لها) الى 3.4% ليتجاوز مجدداً الخط الاحمر الاوروبي، وستعني زيادة الحد الأدني للأجور تراجعاً عما يراه ماكرون ضرورة لتعزيز تنافسية سوق العمل. تميز خطاب ماكرون بنبرة المعتذر، أن ما حدث من تظاهرات وحراك في الشارع يتعلق بالضعفاء، معترفاً أن هناك استياءً وغضباً شعبياً ومطالب حياتية، مؤكدا انه ارتكب اخطاء في بعض خطاباته وتصريحاته قائلاً: «أعطيت انطباعاً بأنني لا اكترث لمطالباكم، وربما جرحت البعض، اتحمل جزءا من المسؤولية، لأننا لم نحقق خلال السنة والنصف ( فترة حكمه) ما يتطلع اليه الفرنسيون»، ولفت في خطابه أن تلك الحالة وما سماها «ألم المتظاهرين لا يعود الى البارحة، فقد تم نسيان الفقراء والعمال لمدة 40 عاماً»، وأن الفرنسي «صوته غير مسموع منذ عهد بعيد!» وبنبرة درامية أشار: «ولكنني هذه الليلة أريد أن أكون واضحاً، فشرعيتي تنبع منكم وليس أي أحد آخر، وعلينا أن نجد سبيلاً لنخرج معاً من هذه الازمة.
هذا الاعتراف بوجود أزمة في بنية النظام والمجتمع الفرنسي كان لابد من ان تكون خاتمة خطاب الرئيس حيث قال «علينا القيام باصلاح الدولة من أجل الإنصاف والعدالة، نريد ان نبني فرنسا الاستحقاق والعمل».
أخيراً يخضع خطاب الرئيس لاختبار الشارع، بحيث لا يمكننا ونحن نكتب تلك الحلقات كيف سينفجر الشارع مجدداً او لاحقاً، ولكننا نقرأ ذلك القلق الكامن في الشارع من خلال الناطق الرسمي الذي طالب السترات الصفراء بعدم التظاهر يوم السبت الموافق 15 ديسمبر فيما رئيس الجمعية الوطنية طلب منهم وقف حركتهم بالكامل، وان الحركة يجب ان تتوقف للانتقال الى بناء نموذج فرنسي جديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها