النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

تونس 8 سنوات من الاختبار الصعب

رابط مختصر
العدد 10874 الأربعاء 16 يناير 2019 الموافق 10 جمادة الأول 1440

    ليس سهلاً أن تلفت أنظار العالم كلّه في لحظة تاريخية تجاهلك فيها العالم. وليست الفرصة سانحة دائمًا لتنهض من جديد وتبني على أنقاض الماضي مجدًا وتنمية واستقلالاً حقيقيًا. وليس عيبًا أن تتعلّم من أخطائك فتتعثّر وتسقط وتقوم من جديد. ولكنّ الخسارة كلّ الخسارة أن تترك الفرصة تضيع من بين يديك لأنها قد لا تتكرر...
 بشيء من الألم الممزوج بالأمل على استحياء، أستحضر الذكرى الثامنة لثورة الياسمين في تونس، فإلى أيّ مدى استطاعت التجربة التونسية الصمود في محيط داخلي وإقليمي ودوليّ مضطرب تعصف به الصراعات المسلحة والخلافات السياسية والتكالب على الحكم والثروات؟
   تونس هذه البلاد التي شدّت إليها أنظار العالم ذات يناير من العام 2011 حين خرجت بأخفّ الأضرار على مستويات عديدة مقارنة بما شهده غيرها من البلدان العربية أو الإفريقية، وتنبّأ المحللون لها بمستقبل مشرق بفضل ما أبداه الشعب التونسي أولاً والنخب السياسية من تعقل وتعاون وتماسك في السنة الأولى من هذا العهد الجديد للبلاد.
وفعلاً تحقّق لتونس ما لم يتحقّق لغيرها حيث كسبت من الرهان ما هو صعب ألا وهو حريّة التعبير ما ساعدها على أن ترتقي إلى مصافّ الدول الديمقراطية التي تقوم على المؤسسات وتعود إلى الشعب ليختار من يحكمه في انتخابات نزيهة وشفّافة برهن عليها الشعب التونسي في اختبارات أربعة: اثنتين تشريعيتين 2011 و2014 وواحدة رئاسية 2014 شهد لها العالم. وواحدة بلدية سنة 2017 هي أول انتخابات بلدية تعددية في تونس فُوِّضت فيها السلطة إلى مجلس بلدي محلي منتخب يأخذ القرار ويدير الشأن المحلي وقد رجحت كفة سلطته على سلطة المركز ليصبح للمواطن حق اختيار مشاريعه المحلية والتخطيط لها ومتابعة تنفيذها. كما أثمر هذا الاختبار الصعب نشأة هيئات مستقلة للقضاء والإعلام وحقوق الإنسان والانتخابات وغيرها، في انتظار استكمال بقية الهيئات والمؤسسات القانونية كالمحكمة الدستورية.
لكن لم تكن الطريق مفروشة بالورود أما هذه الفرصة التاريخية حيث لا تزال تونس، وهي في سنتها الثامنة من مسار الانتقال الديمقراطي، تترنّح تحت موجة التغيّر في نظام الحكم شبه البرلماني؛ فلقد بدا التجاذب في السلطات بين رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة وخاصة في السنتين الأخيرتين، حيث انعكس بوضوح على المشهد السياسيّ في تونس. كما أنّ التجاذب لا يزال في أوجه بين الموجة المطلبية الاجتماعية التي يقودها الاتحاد العام التونسي للشغل وبعض الوزارات ولا سيما التربية والتعليم والصحة وغيرهما...
كما لم تتفق الأقطاب السياسية الفاعلة بشأن مشروع اقتصادي وطني موحّد يقود إلى تحقيق توقعات المواطنين ومطالبهم التي من أجلها تحركوا يومًا ما. بل بالعكس ازداد الوضع الاجتماعي والاقتصادي تأزمًا خاصة بعد الرضوخ إلى إكراهات البنك الدولي وتفاقم المديونية وتدهور الدينار التونسي مقابل الدولار.
وهكذا يكاد يجمع أغلب المراقبين على أنه بالرغم من التقدم السياسي وضمان حياة ديمقراطية يستحقها الشعب التونسي بما أظهره من نضج ورقيّ، فإنّ كلّ حكومات ما بعد الثورة لم يحالفها النجاح الاقتصادي والاجتماعي، وظلّ عملها ترقيعيا في مجمله ولم يرقِ إلى مستوى بناء منوال اقتصادي قادر على تحقيق التنمية المنشودة والخروج بالبلاد من عنق الزجاجة. وهذا الوضع الاقتصادي المتعثر والاجتماعي المتأجج، يجعل تلك المكاسب السياسية في خطر لا يخفى على الأحزاب الفاعلة ولا على المستقلين الذين قد يكونون الأمل الوحيد للتونسيين، وهو ما أثبتته صناديق الاقتراع في الانتخابات البلدية الأخيرة، حيث عاقب الناخب التونسي الأحزاب وأدار ظهره عنها وانتخب في معظم الدوائر شخصيات مستقلة أملا في شيء جديد.
إنَّ التدرّب على حياة سياسية مغايرة لما أَلِفَهُ التونسيّون طيلة نصف قرن باهظ التكلفة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ولا يمكن بحال من الأحوال الحكم سلبًا أو إيجابًا بالمطلق على تجربة لم تكمل عقدها الأول، فمثل هذه التحوّلات في حياة الشعوب والدول تحتاج فترة أطول للحكم عليها، فمسار الانتقال الديمقراطي في تونس صمد إزاء العديد من التقلبات والأزمات والعثرات. ولكنّه بحاجة إلى مزيد التكاتف والعمل لاستكماله بنجاحات اقتصادية تنعكس ولا شك على الحالة الاجتماعية لمعظم فئات الشعب.
إنّ نهاية العام 2019 ستشهد محطة انتخابية جديدة تشريعية ورئاسية، بدأت الأطراف السياسية تستعدّ لها بإعادة خلط أوراق التحالفات، محطة نرجو من خلالها أن تستعيد الطبقة السياسية ثقة الناخبين فيها ولا سيما من الشباب. ويبقى الأمل معقودا على العام 2019 خاصة مع ما بدأ يظهر من تعاف طفيف في الاقتصاد التونسي في الثلث الأخير من العام الماضي. لكن لا تزال تونس بحاجة إلى مزيد الاستثمار من أبنائها في الداخل، ومن الدول الصديقة والشقيقة، حيث مناخ الاستثمار صار مشجعًا وجاذبًا بفضل ما شهدته التشريعات في هذا المجال من تشجيع للاستثمار الأجنبيّ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها