النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11199 السبت 7 ديسمبر 2019 الموافق 10 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حول استشراف مستقبل العراق..

وطأة الواقع وسيناريوهات تزييف الوعي!

رابط مختصر
العدد 10874 الأربعاء 16 يناير 2019 الموافق 10 جمادة الأول 1440

أثارت الإدارة الامريكية مؤخرا زوبعة غير معتادة، ولم تكن متوقعة بالإعلان عن الانسحاب من سوريا، والانسحاب من أفغانستان، وعمل ترتيبات خاصة في العراق، لتصفية تركة المرحلة السابقة التي بدأت بعيد اعتداءات 11 سبتمبر 2001م، والتي اتسمت بالفشل الكامل في إحداث أي تغيير سياسي عبر القوة العسكرية.
مناطق عديدة في العالم يعتبرها الأمريكان مكانا لاختبار نظرياتهم لتطبيقات الديمقراطية والسيطرة، بعد ان أصبحت السيطرة المباشرة والعسكرية مكلفة وغير مقبولة أمريكيا: لقد سبق أن جربوا اللعبة في العراق وكانت التكلفة عالية من المال والعتاد والأرواح، ومكنوا الأحزاب الطائفية من السلطة فتسببت في كوارث سياسية وإنسانية غير مسبوقة، بل وارتكبت جرائم ضد الإنسانية تحت مظلة الاحتلال وبرعايته ومشاركته في بعض الأحيان. وبدا عجيبًا التحالف غير المقدس بين الأمريكان - رعاة الديمقراطية - وبين الأحزاب الطائفية التي تعمل برعاية إيرانية مباشرة!!
وعراق اليوم وبعد حوالي 16 سنة متواصلة من الغزو والعدوان يجد نفسه يدور في حلقة مفرغة من الفوضى والصراع على السلطة من أجل (اقتسام الغنيمة)، والخلاصة السطحية التي توصل اليها الرئيس الأمريكي السابق أوباما بأن (العراق يعد تجربة ديمقراطية فريدة) كذبها الواقع، وسقطت في الماء! ولذلك بتنا نقرأ عن سيناريوهات عديدة حول مستقبل هذا البلد ومآلات حياته السياسية، ووحدته الوطنية.
وفي هذا السياق تابعت مقالا مطولا للدكتور مظفر قاسم حسين أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية -منشور في جريدة قريش الصادرة في لندن بتاريخ الأربعاء 2 يناير 2019، بعنوان: (ماذا يحصل في العراق) قدم فيه الكاتب ما أسماه استشرافا لما سيحصل في العرق في المرحلة المقبلة، يتسم بقدر كبير من التشاؤم في ضوء ما اعتبره بالحقائق التالية: «أن غالبية الشعب ناقم على الحكومات العراقية المتعاقبة التي لم توفر له الخدمات ولا العيش الكريم. وأنه ناقم على الأحزاب السياسية التي أنتجت المحاصصة وناقم على الفاسدين الذين ملأوا الأرض فسادا، وينتظر اللحظة التي ينال فيها منهم، (....) وأن روح الانتقام بين الأحزاب موجودة وكل حزب ينتظر اللحظة التي يجهز فيها على الآخر، وأن إقليم كردستان ينتظر لحظة الفوضى ليضم كركوك فورا، ويعلن عن غلق حدوده تماما، لينفصل عن العراق سياسيا كمرحلة أولى، ثم ليكون منطقة عازلة وآمنة بالنسبة للقوات الأمريكية التي ستتخذ من أراضي الإقليم قاعدة أساسية لها، لتعمل على الحد من سلطة إيران وتأثيرها في العراق (...) وفي حال انتشار الفوضى فإن الإدارة الامريكية سوف تعمل على تقسيم العراق على شكل مناطق تمهيدا لتقسيم العراق حتى لو كان تقسيما إداريا كمرحلة أولى»..
وتوصل الباحث في نهاية التحليل إلى أن «العراق سيكون أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يتم التغيير الجذري وتصحيح الأمور في العراق بأياد عراقية (بقيادة المرجعية) وتحت السيطرة بتحرك مدروس ومضبوط أمنيا بعيدا عن الفوضى، وإما سيكون أمام تغيير آخر تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بنفسها».
تلك خلاصة موجزة جدا لما تضمنه هذا التحليل المطول والذي قدم نفسه على أنه استشراف لمستقبل العراق القريب جدا، لأن الباحث ربط هذا المستقبل بمرحلة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتبقية (أي خلال العامين القادمين على أقصى تقدير).
والحقيقة أنه بالرغم من عدم وضوع النوايا وصعوبة توقع الممارسات الأمريكية على الأرض خاصة في ظل حكم ترامب الذي يفاجئ العالم يوميا بمواقف غير متوقعة، فإن سيناريوهات الاستشرافية التي قدمها هذا (الاستشراف) لا تخلو من خيال سينمائي تنفيه معطيات واقعية كثيرة جدا، مما يجعله خارج سياق الاستشراف الفعلي لمستقبل العراق القريب والبعيد، والذي ساهم في صنع قاعدته وصورته الحالية وتأثيثها على النحو المشوه الحالي هم الأمريكان أنفسهم (منذ زمن السيد بريمر)، ومن لحظة تدمير الرئيس الأمريكي بوش الابن لبنية الدولة العراقية وجيشه وتماسكه الاجتماعي والاثني، إلى مرحلة الرئيس الأمريكي السابق أوباما الذي كرس ما اعتقده (نموذجا للديمقراطية العراقية) والذي بدا واضحا من خلال التجربة العملية على الأرض بأنه نموذج فاشل، وأن التجربة الديمقراطية التي جاء بها الغزو الأمريكي إلى العراق الجديد ديمقراطية مغشوشة ومطعون فيها من العراقيين أنفسهم، ووصولا اليوم إلى مرحلة حكم الرئيس ترامب الذي يقدمه الباحث (كمؤثر للمرحلة المقبلة التي يحذر منها ومنه). كما أنه من الصعب الحديث عن ديمقراطية حقيقية ضمن هذه التجربة في ظل التدخلات الأجنبية وتأثيرها على القرار الوطني، وفي ظل سيطرة المليشيات ومنطق المحاصصات الطائفية، إلا إذا كان المقصود بالديمقراطية مجرد وضع ورقة في صندوق الاقتراع (مع أن حتى هذه العملية هي محل شكوك ومنازعات وخلافات بحسب القرار الصادر عن البرلمان العراقي نفسه).. فالواقع يؤشر بوضوح إلى أن هذه الديمقراطية ما تزال بعيدة المنال. لأنها تحتاج إلى الحرية والخيار الحر والاستقرار وسيادة القانون، في حين أنها في الواقع تتحول إلى شكل من أشكال السيطرة الطائفية المغلقة (إضافة إلى سيطرة وسطوة المليشيات)، مما يفقد معها الفرد أي قدرة على ممارسة خياراته وقناعاته الحرة، ليتحول إلى مجرد دمية تحركها الإرادة الطائفية من دون أي قدرة على تبين الصالح من الطالح.
وإذن ماذا يبقى من هذا السيناريو بعد ذلك؟
في تقديري يتلخص المطلوب الضمني لهذه الرؤية في ضرورة الحذر من الوقوف في وجه أي انفجار سياسي - اجتماعي شعبي مجددا قد تشهده الأوضاع التي نشأت في العراق بعد العام 2003م والفساد والعجز الذي يلف النخب السياسية، وذلك من خلال تصوير أية مطالبات شعبية بتنحية النخب العراقية الفاسدة ومحاسبتها على أنها مطالبات آيلة إلى الفوضى وخدمة المخطط الأمريكي، وإن الحل أمام التلويح بهذا البعبع الأمريكي يكمن في اللجوء والتمسك بـ«المرجعية» التي صورت، ضمنا، على أنها البديل الوطني الذي بيده مفاتيح تحقيق تطلعات شعب العراق إلى التغيير من دون انزلاق إلى الفوضى والتفكك، وأنها الوحيدة التي يمكن أن تحبط المخطط الأمريكي الذي يريد للعراق الدخول في فوضى يحسمها الأمريكان ويوجهونها إلى المآلات التي يريدونها.
إن هذا النوع من السيناريوهات يكاد يقول للعراقيين: إن التغيير ليس أكثر من فوضى تديرها مؤامرة خارجية، وعليه اصطفوا وراء (المرجعية) التي ستحدث التغيير الداخلي المتدرج الهادئ (بديلاً من الفوضى) وتفوت على الخارج فرصة الإجهاز على الوطن. (كذا!!)، ومن الواضح أن هذه الرؤية تقوم على تزييف الوعي في النهاية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا