النسخة الورقية
العدد 11029 الخميس 20 يونيو 2019 الموافق 17 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

العقل على مسار العمر

رابط مختصر
العدد 10873 الثلاثاء 15 يناير 2019 الموافق 9 جمادة الأول 1440

استلمت عبر وسائط التواصل الاجتماعي رسالة تحمل مقولة مصورة تبدو لأول وهلة حكمة عميقة المغزى، وقد رسمت كلماتها على خلفية صورة لشيخ طاعن في السن، ملامحه تنطق بمن يعيش أثقال الماضي وتحديات الحاضر ولغز المستقبل. المقولة بخلفيتها تبعث في النفس رسالة مبهمة محيرة، رسالة تستوقف الإنسان على مفترق الطريق بين العمر والعقل، وهذه هي كلمات المقولة: «الوعي في العقول وليس في الأعمار، فالأعمار مجرد عداد لأيامك، أما العقول فهي حصاد فهمك وقناعتك للحياة».. فهل كلمات المقولة نقش في سجل الحقيقة؟ أم أن الحقيقة أوسع بعدًا و أغزر عمقًا من هكذا بضع كلمات..
ألسنتنا تلوك ما نشاء من نطق الكلام، وأقلامنا ترسم ما نشاء من رسم الكلام، فهل كل نطق وكل رسم حفر في صخرة الحقيقة؟
العقل والعمر إذًا، هل العلاقة بينهما طردية ؟.. بمعنى أنه كلما أضيفت إلى أعمارنا السنون، صار حمل العقل أثقل، وقدرة الإنسان على التفكير والاستيعاب أفضل، أم أن العمر في وادٍ والعقل في وادٍ آخر، وأنه لا علاقة بينهما؟ طبعًا لا نتحدث في هذا المسار الفكري عن استيعاب العلوم والتكنولوجيا والفلسفة وغيرها من الأكاديميات، ولا حتى عن الأدب والشعر والموسيقى، ولكن ينحصر المسار في العقلانية الاجتماعية وسبل معرفة الإنسان للإنسان وكيفية التعامل مع الإنسان في الوسط الاجتماعي، ووعي الأمور الحياتية التي تمس حاجاته المادية والمعنوية، ووعيه لكيفية تحقيق هذه الحاجات، وما مدى العدالة الاجتماعية السائدة أو المهيمنة التي تؤطر وتشكل المعادلة النسبية لتلبية هذه الحاجات.. نتحدث عن الوجوه عندما تتلاقى، وجوه باسمة ووجوه مكفهرة، صمت وكلام وثرثرة، آذان مصغية وآذان مغلقة الأبواب وآذان ما هي سوى معابر للكلمات، نتحدث عن الاندفاع دون تيقن وعن التروّي بغية التيقن؛ هذه كلها مسلكيات مكمنها خزينة الذاكرة التي تتراكم فيها تجارب الإنسان في الحياة، تجاربه مع المحيط، وتجاربه مع الذات، تجاربه وهو في ريعان الشباب، تجاربه وقد بلغ من العمر عتيًّا. تراكم التجارب - بين دفتي السعادة والمعاناة - في خزينة الذاكرة التي تشكل اللاشعور في أعماق النفس.. وأفضل من سبر غور اللاشعور وكشف عن مكنونه هو العالم سيغموند فرويد، مؤسس علم النفس الحديث، فرويد يوضح أن «اللاشعور هو أساس وعي الإنسان، وهو المنظم الأساسي في الحياة النفسية للإنسان، وهو أهم منطقة سيكولوجية نستطيع بموجبها أن نفهم سلوكاتنا سواء منها السوية أو الشاذة»، وهذا اللاشعور هو الذي يُكَوِّنُ البناء الأساسي لشخصية الإنسان، وأن هذه الشخصية ذات مكون ظاهري وآخر باطني وظاهره أقل من باطنه، مثل جبل الجليد الذي يظهر منه قمة الجبل بينما المغمور تحت سطح ماء المحيط هو الباطن المخفي الأعظم الذي لا يدركه وعي الإنسان الآخر، فكل إنسان منا جبل جليد من البناء النفسي - السيكولوجي.. وهذا التراكم في خزينة اللاشعور لا يولد مع الإنسان، بل هو حصيلة سنوات العمر في معترك الحياة؛ فالأعمار ليست مجرد عداد للأيام والسنين، إنما الأيام حمالة للتجارب، وتتراكم آثار التجارب في خزينة اللاشعور يومًا بعد يوم، ويتضخم المخفي من جبل الجليد تحت سطح المحيط، والإنسان مهما بدا سعيدًا، بفضل يسر الحال، إلا أن تعقيدات الحياة وتفاعلات النفس مع الواقع والوقائع لا تستثنيه من وخزات المعاناة والمنغصات وما ينتج عنها من كظم الغيض والكبت، فالحالات التي تفرز الكبت كثيرة، وهي لا تفرق بين يسر وعسر في الحال، كبت نتيجة لخلل إنساني في معادلة العدل الاجتماعي، كبت نتيجة لكيمياء العمر في الحد من حيوية الغرائز الطبيعية، وهناك حالات من الكبت كثيرة في المدى وفي العمق، هذا الكبت وذاك الكبت يغذيان اللاوعي في خزينة الذاكرة، حتى وإن كان الإنسان الفرد مهلهل الوعي والإدراك امام معادلة الوعي الاجتماعي، إلا أن كيمياء العمر ومحصلة الوهن في الاستمتاع بنداء الغرائز تغرس المعاناة في عمق اللاوعي في خزينة الذاكرة.. إن المخفي من جبل اللاشعور مغروس في أعماق النفس، ويزداد هذا المخفي كتلةً وثقلاً مع تعاقب السنين في رسم العمر، فالعمر إذًا ليس مجرد عداد للسنين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها