النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

«مؤشرات الأداء» عندما تصبح هدفًا

رابط مختصر
العدد 10872 الاثنين 14 يناير 2019 الموافق 8 جمادة الأول 1440

وصلني من أحد الأصدقاء نسخة مقال مطول غير مذيل باسم كاتبه، بعنوان (مؤشرات الأداء، هل لغة الأرقام لا تكذب؟). ولكن المهم هو ما أثاره هذا المقال من قضايا جوهرية، في ظل انتشار ثقافة قشرية سطحية تفرغ الأشياء من جوهرها.
المقال يقول إن «مؤشر الأداء هو مقياس علمي، محايد، كميّ، غير مشخص، لأداء المؤسسات ومدى قربها أو بعدها عن تحقيق الأهداف الموضوعة لها». ثم يتساءل كاتب المقال: ‏ هل هذا صحيح؟ وهل فعلا (أن لغة الأرقام لا تكذب)؟
يجيب من خلال استعراض ثلاثة أمثلة:
- الأول: أن وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنمارا (1961-1968)، ‏طلب من جنرالات الجيش تزويده بـ (مؤشرات أداء)، تتيح له قياس ما إذا كانت الولايات المتحدة الامريكية ستنتصر في حربها على فيتنام آنذاك، فوضعوا له مؤشرين: أهمهما مؤشر عدد قتلى الأعداء: أي أن أداء الجيش كله يقاس بعدد قتلى الأعداء، وأن كل ترقياتهم وتقييماتهم تعتمد عليه. وبات الجميع حريصين على إرضاء المؤشر، حتى لو كان يعني زيادة القتل العشوائي، ومع ذلك، فإن الأمريكان قد خسروا هذه الحرب.
- الثاني: قصة السيدة بيفرلي هول، التربوية الأمريكية التي حازت في العام 2009 على وسام أفضل تربوية للعام، من قبل جمعية مديري المدارس الأمريكية، لمساهمتها في رفع درجات الطلاب. ولكن بعد أشهر انكشفت قصة أشهر نظام غش تعليمي في هذه المدينة، والسبب ان المعلمين والمدارس التي يفترض أن تكون نموذجا لتعليم الصدق والأمانة، تحولت إلى تغشيش الطلاب، لأن المدرسة التي لا تكون نتائج طلابها أقل من حد معين، يواجه منتسبوها العديد من العقوبات (بل وحتى الفصل). والمؤشر هنا غيّر سلوك المدرسين ودفعهم للتفكير بطريقة أسهل لحماية أنفسهم ووظائفهم، من خلال تغشيش الطلاب وممارسة الدجل.
- الثالث: معروف أن الطريق الصعب والجاد للارتقاء بتصنيف الجامعات هو العمل على تحسين جودة التدريس، ودعم الباحثين والأعمال البحثية... ولكن بعض القائمين على الجامعات يمارسون عمليات غش واسعة، من بينها اقناع الباحثين من ذوي المراكز الأولى في العالم واغراؤهم بالمال، بالانتساب إليها ولو شكليا، وهكذا إذا نشر هؤلاء الباحثون بحوثا يكتب اسم الجامعة كمؤسسة ينتسبون إليها، وبهذه الطريقة تقفز هذه الجامعات في التصنيفات العالمية من دون أن يعني ذلك شيئا على صعيد الواقع.
قلت للصديق، وهو خبير في هذا الشأن:
- ألا ترى أن موضوع مؤشرات الأداء، على أهميته، قد أفرغ من محتواه، وتحول إلى هدف شكلي، يؤول إلى ممارسة ضروب الغش والتحايل؟
قال الصديق:
- المقال مهم، ولكن لا بد من توضيح بعض الجوانب التي أراها هامة حتى لا يختلط الحابل بالنابل:
-أولا: الانحرافات التطبيقية ليست حجة على الفكرة نفسها. والالتفاف على آليات المساءلة كان، على الدوام، سلوكا تحيليا رائجا كما في المجالين الضريبي والمالي، والحاجة إلى المعيار (بما في ذلك القانون) تظل، في جميع الأحوال، قائمة، وتظل الحاجة إلى توفير الآليات الضامنة لفاعليتها متأكدة؛ من أجل الحد من الغش والاحتيال.
- ثانيا: لقد حققت فكرة المعايير نجاحا ملموسا مع بداية تطبيقها، لكنها نجحت، آنذاك، لأن تطبيقها كان في القطاع الصناعي الخاص، وفي سياق صعود موجة ثقافية وطنية أمريكية تعرف بثقافة المساءلة وتيار التميز (المتأتي من التشبث بالتنافسية الوطنية). ومفهوم أن التطبيق في القطاع الصناعي الخاص محكوم، منذ الطفرة التايلورية، بقواعد خاصة تقوم على مبدأ زيادة الإنتاج الذي أصبح كمه يقاس بحساب حجمه في الوحدة الزمنية للعمل (الساعة، اليوم، الأسبوع، الشهر، الربع السنوي.)، كما للقطاع الخاص كامل الحرية في محاسبة وفصل أي عامل ينزل أداؤه بالكفاءة الإنتاجية للمؤسسة. لذلك كان التطبيق، في هذا السياق، فعالا. وسريعا ما ارتفع الإنتاج وتحققت، بفضل تطبيقه، قصص نجاح شهيرة. هذا من ناحية، كما إنه مفهوم، من ناحية أخرى، أن تفوق السوفيات في المجال الفضائي في البداية، مضافا إليه التفوق الياباني، لأول مرة، على الأمريكان، في مجال حجم مبيعات السيارات أمران أثارا، بين أمور أخرى، الذعر في الأوساط الأمريكية على المكانة التنافسية لبلادهم. وقد خلقت هذه العوامل التي تفاعلت مع الثقافة الديمقراطية إلى التنادي إلى وضع معايير يتم بفضل تطبيقها الحكم على أداء الحكومات والمؤسسات والأفراد للتأكد (الرصد والتقويم) من أن هدف استعادة الولايات المتحدة لريادتها التنافسية يتقدم على طريق التحقق في المواعيد المحددة له. وقد جرت الاستفادة من «نموذج المعايير» الذي حقق نجاحا مشهودا في القطاع الصناعي الخاص؛ وذلك بتطبيقه على سائر القطاعات بما في ذلك القطاع العام غير الصناعي. ولأنه طبق، في البداية، ضمن أجواء وطنية مفعمة بالمساءلة وبالالتزام باستعادة المكانة التنافسية للولايات المتحدة تحركت الأوضاع بلا غش أو احتيال نحو الهدف الوطني الكبير، وتوالت النتائج في الظهور.
قلت للصديق:
-إني لا أجادلك في ذلك، ولكني أحب العودة إلى ما أثاره المقال حول التحولات السلبية في استخدام المؤشرات؟
قال الصديق:
-إنَ مضي الزمن من ناحية، وفوارق الطبيعة ما بين القطاعات الصناعي والخدمي والخاص والحكومي من ناحية ثانية، قد كشفا عن تعثر في اشتغال هذه الآلية في السياقات الجديدة، فنجاح الفكرة من عدمه نسبيان ومرتبطان بسياقات البلدان وقطاعات التطبيق ودواعي التطبيق وأهدافه. وعليه فإن الحكم، على الفكرة، بالفشل المطلق مجانب للدقة والحقيقة معا. ونقل الأفكار والنماذج من دون مقتضياتها الثقافية لا يقل خطأ عن عدم مراعاة الطبائع المتباينة للقطاعات عند تعميمها وسحبها عليها. وفي الحالين ليس هذا عيب الفكرة والنموذج، بل هو ضعف في التطبيق وفي المطبق.
لقد أدت تجربة تعميم «نموذج المعايير» و«قياس الأداء» على القطاعات غير الصناعية وغير الربحية، إلى إغناء فكرة المساءلة وثقافة الرصد والتقويم لا التخلي عنهما؛ وذلك بالحد من حصرية البعد الكمي في المؤشرات وإدخال أبعاد نوعية سواء في المؤشرات أو حتى في تحليل النتائج؛ لذلك ظهرت معايير وبينات ووسائل استقصاء ورصد نوعية، كما ظهرت منهجيات عديدة للتحليل، وسريعا ما تطور الأمر ليؤول إلى نشأة نماذج معيارية مهجنة (تجمع بين الأبعاد الكمية والنوعية معا). وقد بات الركون الحصري إلى النماذج الكمية في الرصد والتقويم شيئا من الماضي لدى قطاع واسع من الدول والهيئات الدولية. وبقاء تطبيق هذه النماذج، لدى عدد من الدول النامية، حبيس البعد الكمي لا يفسره إلا تخلفها أو ضعف كوادرها أو سوء نية الذين يستعملون الأرقام لحجب الفشل والتسويق لنجاحات وهمية. وهذا معناه أن غياب ثقافة المساءلة أو شيوع ثقافة تدليس آلياتها لا يمكن له إلا أن يلاقى، في هذه الدول، على مستوى القاعدة، إلا بالغش والتحايل على المعايير. وباكتمال ضلعي القمة والقاعدة يكون الفساد قد نجح في تقديم نفسه في ثوب مساءلة.

قلت: نسأل الله حسن العاقبة.!!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا