النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

المشروع الإصلاحي استجابة تاريخية

رابط مختصر
العدد 10870 السبت 12 يناير 2019 الموافق 6 جمادة الأول 1440

 في بداية العشرينات من القرن العشرين، عندما كانت منطقة الخليج العربي تعيش في ركود سياسي واجتماعي واقتصادي، كان البحرينيون، يسعون لكسر هذا الجمود والوصول الى مواقع جديدة تسايرالتطور في العالم، ما كان يعني ضمنا توق ذاتي دائم للتطوير ميَّز المجتمع البحريني منذ القدم.
شهدت هذه الفترة المبكرة حراك مجتمعي وطني، للاستقلال عن السلطة البريطانية المحتلة، بالضبط في حدود العام 1923. قاد هذا التململ الوطني نخبة من خيرة أبناء المجتمع، كان يتقدمهم الشيخ عبدالوهاب الزياني وأحمد بن لاحج، وأفراد آخرون من أفاضل البلاد وطلائعها. وكان ذلك الحراك استجابة لرغبة مجتمعية عامة. تضمنت مطالب هذا الحراك تأسيس مجلس وطني يمثل المجتمع، ويحد من التدخل البريطاني في الشؤون الداخلية، ورسم السياسة العامة. لم تستجب السلطة البريطانية لهذا الحراك، فقطعت دابر هذه الحركة، ونفت الشيخ عبد الوهاب الزياني وأحمد بن لاحج الى الهند.
لن أطيل الكلام في هذه المحطة التي أكدت دلالة الطموح المبكر للديمقراطية عند الشعب البحريني. في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، كان هناك حراك ثانٍ مهني ووطني قاده عمال شركة بابكو التي تضم آلاف العمال البحرينيين، وطالبوا بتأسيس وإشهار النقابات العمالية، كما طالبوا برحيل الاحتلال البريطاني، وأعادوا مطالبتهم بمجلس وطني يمثلهم، وكانت تلك المحاولة الثانية للإصلاح والديمقراطية.
ولم تكن سنوات الخمسينات هادئة وساكنة، إذ أعاد البحرينيون مطالبتهم السابقة بالنهج الإصلاحي الديمقراطي، القائم على أساس المجلس الوطني، مع مطالب أخرى كخروج الاحتلال الذي كان على رأس المطالب. كانت تلك أطول انتفاضة وطنية في تاريخنا الحديث، فقد بدأت في أكتوبر 1954 وانتهت في أكتوبر 1956. هاجس التقدم والتطوير، ونيل الحرية بتشعباتها، وانتهاج الإصلاح والديمقراطية، كان كل ذلك هو جوهر هذه الانتفاضة، كما كان هو جوهر الحراك الوطني في العشرينات والثلاثينات. قمعت هذه الانتفاضة الثالثة، وسجن قادتها وهرب المئات الى الدول المجاورة.
لم تخمد جذوة الإصلاح والديمقراطية عند أفراد هذا المجتمع الذي إمتاز عبر عصور طويلة بالحيوية والتجدد، فبعد تسع سنوات فقط، أعاد البحرينيون المحاولة الرابعة في العام 1965 مطاردين بثبات وعزم وتضحيات أهدافهم وآمالهم في الإصلاح والديمقراطية. استمرت هذه الانتفاضة زهاء ثلاث شهور، وسقط فيها شهداء، وامتازت بالضراوة، وكظم البحرينيون غيضهم، لكن بعد أقل من عقد واحد، أعادوا الكرة للمرة الخامسة في بداية السبعينات، فكانت الانتفاضة العمالية الواسعة التي أعادت المطالبة بالإصلاح والديمقراطية، وأكدت إصرار المجتمع على مطالب، كان يرى أنها مصيرية وبالغة الأهمية ولا يمكن التنازل عنها.
لن أقف كثيرًا عند التاريخ الحديث الذي أعقب السبعينات، فهو قريب زمنيًا، لكن العقود الأخيرة أيضا شهدت حراكًا مستمرًا من أجل الإصلاح والديمقراطية، حتى صدور الميثاق المجيد.
كل هذه الأحداث، والحراكات الواسعة والانتفاضات الشعبية، كانت تسير في خط تصاعدي زهاء ثلاثة أرباع القرن، إن لم يكن أكثر. بالنتيجة نخرج بالحقائق التالية: أن المشروع الإصلاحي لجلالة الملك كان تتويجًا حكيمًا وصادقًا لهذا التاريخ الطويل الذي سعى فيه المجتمع البحريني للإصلاح والديمقراطية. وبالتالي فالمشروع الإصلاحي الطموح جاء ليحقق أهداف وتطلعات وأماني حملها هذا المجتمع، وقدم من أجلها تضحيات كثيرة وكبيرة، وذاق خلالها مشاق وآلام وسجون ومنافي، كما استشهد من أجلها أفراد من هذا الشعب الكريم. اتضحت ضرورة وأهمية الإصلاح بشكل جلي، في مرحلة شهدت مدًّا عالميًا انتشرت فيه الديمقراطية منذ نهاية الثمانينات - وضمنا أصاب هذا الانتشار الدول العربية - .
ويعود سبب هذا الانتشار لأسباب التطور التكنولوجي، وثورة الاتصالات والثورة المعرفية. نستنتج من هذا السرد التاريخي السريع ما يؤكد أن هذا المجتمع الصغير كان يثابر (عبر كل هذه التواريخ ليكون تحت الشمس وفي مقدمة الركب العربي والعالمي. بهذه الصفة، وبناء على هذا التاريخ، جاء الميثاق الوطني ليلبي رغبة شعبية عامة لحياة ديمقراطية تصلح فيها النواقص والمثالب، وتطلق من خلالها القوى الحية طاقاتها، بعد أن تبين أن التطور على كل المستويات كان يمضي بطيئًا (مقارنة بالحراك السريع في دول المنطقة) في ظل غياب الإصلاح والديمقراطية.
المتتبع لحراك المجتمع البحريني بعد الميثاق، لابد وأن يلاحظ هذا التغير الجذري والنوعي، الذي أصاب كل المجالات والمواقع، فهذا المجتمع الحي والطموح يندفع بشدة وإيقاع سريع الى التقدم اليوم: المجلس الوطني والجمعيات السياسية والنقابية والمجتمع المدني، وحرية التعبير وإبداء الرأي، واتساع حرية الصحافة، وازدياد المؤسسات الثقافية وزيادة الفعاليات الثقافية. والحراك النسائي الواسع، وانتشار المجالس، وفيها يتداول البحرينيون شؤون حياتهم السياسية والمعيشية.
أصبح المجتمع البحريني اليوم خلايا حية نامية فاعلة لا يحد طموحها سقف أو حاجز. المناخ الديمقراطي اليوم يطلق العنان للتفكير والنقد والحوار الحر. الصحافة انتعشت تحت ظل الحريات التي تضمنها الميثاق. ولم يعد الحراك الاقتصادي بطيئًا كما كان سابقًا وهو أكثر حيوية وديناميكية، وانكمشت حالات الفساد الذي يدمر الاقتصاد، وكأننا نعيش –  وهذا ما أشعر به –  أفضل أيامنا في مناخ حرية الرأي والتعبير، ونستطيع أن نتلمس ذلك فيما يكتب في الصحافة، كما هي أكثر وضوحًا في مواقع التواصل الاجتماعي.
وهناك أنشطة وحراك الجمعيات السياسية. وكما يقال (عند المد ترتفع جميع السفن)، كما أن الجزر تهبط فيه كل السفن. إذن فالميثاق هو تحول نوعي، وهو خيار استراتيجي للدولة. ولأن الديمقراطية غير كاملة في بدايتها، فهي بحاجة الى التطوير، وليس هذا مستحيلا، ولكنه أمر يرتبط بالتفاعل الإيجابي بين السلطة والمجتمع المدني، هذا التفاعل الذي لم يستوعبه بعضنا. وأتمنى أن يفهم الجميع أن الكمال الديمقراطي يستغرق وقتًا، كما حدث في تجارب الأمم المتقدمة وهذه حالة موضوعية لا نستطيع القفز عليها، وليس من الحكمة، ولا من المنطق أن نقفز عليها، فقد يؤدي ذلك الى تعطيلها، كما حدث لنا في العقد الأخير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها