النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

اليوم الأول من العام الجديد

رابط مختصر
العدد 10868 الخميس 10 يناير 2019 الموافق 4 جمادة الأول 1440

اعتدنا من كل عام أن نتبادل التهاني والأمنيات وهي كلها تعكس روح العلاقات الإنسانية بين البشر، وبعد عملية الفرز بين أنواع البشر ونماذجهم نخلص الى نوعين نقيضين كما هي تناقضات الحياة الكبرى، مجموعة المتفائلين ومجموعة المتشائمين، والمجموعة الثانية علينا تجنب الاستماع اليها لكونها تنقل لك فيروس حالتها المحبطة ومن كل شيء في الوجود، هؤلاء تعساء بطبيعتهم ومزاجهم ولن يورثوك إلا همًا إضافيًا فوق همومك، والتي عليك التخلص منها قدر المستطاع، ولكن هؤلاء - المتشائمين - يظلون يذكرونك بمنغصاتهم ليضيفوا لساعاتك اليومية السعيدة جزءًا من البلاء الذي يسكنهم طوال الشهور والسنوات، بينما عاشقو الفرح والمرح هم أولئك المتفائلون، الذين في أحلك اللحظات من الحياة تجدهم سعداء مبتسمين، ولا يشعرونك أنهم مسكونون أيضا بهموم الدنيا أكثر من غيرهم، فمن طبعهم أنهم طاقة إيجابية ولا ينقلون لك إلا الجانب الجميل من الحياة، ويدخلونك في مناخ فرحهم ويخرجونك من حلقة التعاسة والوجع، المتفائلون المرحون أصدقاء الدنيا والسعادة، فابحث عنهم في كل زاوية وركن وامضِ ساعتك وأيامك وشهورك المتبقية معهم.
كنت ولا زلت كالعادة أمضي الأيام الأخيرة من رأس السنة في حضن ودفء العائلة، لأنه بات المحيط المفرح والسعيد في حياتي الأخيرة  حتى مع مشاهد الأخبار العالمية الكارثية في التلفاز. والتقليد الذي اعتدته طوال هذه السنوات القيام بجرد ومراجعة قائمة أسماء الأصدقاء باختلاف درجة وحجم تلك العلاقة، حيث أجد في كل مرة تساقط بعض الأسماء من الروزنامة والذاكرة كما تتساقط أوراق الخريف، فيما البعض سقط من الروزنامة، ولكنهم ظلوا في الذاكرة كحالة تجذر عميق يمتد للروح. وهناك من الأسباب الكثيرة التي تجعلني أثناء الفرز والمراجعة، النظر الى مسألة مهمة هو تقييم البشر والمتغير الذي يلامس طباعهم وأرواحهم وأمزجتهم، ما يعني أننا بتنا في حالة جفاف روحي وإنساني، ودخلنا في برزخ الجفوة الإنسانية وانتقلنا في علاقاتنا الإنسانية من حالة العفوية والصدق والبراءة الى دائرة البرود العاطفي والتنصل والهروب والكذب دون الحاجة الى تبرير أفعالنا، فمن حق كل إنسان /‏ صديق أن يختار حياته الجديدة، ومكانه ومناخه الذي بات يناسبه ويناسب نفسيته ومزاجه.
هذا التعقيد الاجتماعي للعلاقات الإنسانية المتغيرة، أما للأحسن أو الأسوأ، يحتم علينا التوقف عندها والتأمل فيها عميقًا، لكي نلقي بمجاديفنا وقاربنا عند شواطئ جديدة ومدن حالمة أخرى وبشر مختلفين، تمنيات لو التقيتهم مبكرًا بخلاف آخرين، تمنيت لو أنك لم تضع وقتًا أطول معهم وحجّمت علاقاتك معهم فلكل صداقة وصديق نمط من المشاعر المتباينة، ونحن لا نوزع مشاعرنا على البشر كما توزع جمعية خيرية هداياها على المحتاجين، فنحن أثناء صداقتنا تتحكم فينا التلقائية والانسجام والنزاهة والمصداقية والبراءة والحميمية لمعنى وقدسية الصداقة.
هذا العام وأنا أقوم بعملية الفرز والغربلة الحياتية لمذكرتي، اكتشفت أنني سأودع للأبد عمري الذي تخطى السبعين، وأن القطار يمضي بسرعة مجنونة نحو السنوات الباقية، حيث جميعنا معنيون بأن نرى في هذه السنوات أين نجد مفاتيح سعادتنا الحقيقية؟ وهي موجودة في أبسط الأشياء الصغيرة وفي أعقد الأمور، ولا بد من منح كل تلك الساعات السعيدة علاقات نوعية من الضروري فهمها واستيعابها.
في ليلة رأس السنة تجولت بذاكرتي نحو مدن أمضيت فيها أحلى أيام حياتي، فكم كانت براغ جميلة عام 1974 بثلجها ونسائها، وقد رقصت أول مرة في حياتي مع فتيات من جيلي، فتاتين ارجنتينية وبوليفية، وتعلمت أن أحب الحياة حتى في غمرة الهمّ والانشغال السياسي، وكما كانت ليلة مدريد عام 1983، لها نكهتها ومذاقها، فقد كنت لا أزال في شهر العسل مع زوجتي، حيث أمضينا أسابيع عديدة في غرناطة ثم انتقلنا في ديسمبر لاستكمال دراستنا في مدريد، تلك الليلة كنت كالطفل السعيد بدميته، في ذلك البنسيون (النزل) حيث كانت مارغريتا العجوز تنظف الحجرة وهي تغني بابتسامة اسبانية حنونة، فقلت لزوجتي أ ليس جميلاً أن يغني الإنسان في هذا العمر وهو يعمل؟.
 في ليلة رأس السنة في مدريد مشينا معًا مسافات طويلة في ليل قارس للغاية، فقد عاكسنا الحظ مع أصحاب التاكسي، الذين رفضوا الوقوف لنا، ففي تلك اللحظات كان لكل إنسان برنامجه.
رحلت تلك الساعات الجميلة والمدن والنساء الاجمل في حياتك، محاولاً أن اصطاد فراشاتي بعكاز الشيخوخة اللعينة.
وداعًا للكذب والخداع والضغينة، فلا وقت للبكاء في مدن تنتظرني بحقيبة بائسة، لمسافر يفتش عن الحلم الضائع، عن هندية حمراء في كوجابامبا البوليفية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها