النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10875 الخميس 17 يناير 2019 الموافق 11 جمادة الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:06AM
  • الظهر
    11:47AM
  • العصر
    2:47AM
  • المغرب
    5:08AM
  • العشاء
    6:38AM

كتاب الايام

خلفيات غاندي الفكرية بعيون بحرينية 1 ـ 2

رابط مختصر
العدد 10868 الخميس 10 يناير 2019 الموافق 4 جمادة الأول 1440

مؤخرًا صدر للكاتب عبد النبي الشعلة كتاب حمل عنوان «غاندي وقضايا العرب والمسلمين»، يقع الكتاب في 259 صفحة من القطع الكبير. يستهل المؤلف سبره لأغوار العلاقة بين غاندي وقضايا العرب والمسلمين، بسرد مجموعة من الأسباب التي دعته لتناول الموضوع، من بين الأهم بينها طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد العربية من والتي تتميز بتصاعد أعمال العنف التي تجتاحها منذ ما يزيد على عقدين من الزمان، الأمر الذي يفرض «حاجة منطقتنا العربية، أكثر من أي منطقة أخرى، الى إيقاظ واستنهاض قيم ومبادئ المحبة والتسامح والتعايش والسلام التي نادى بها وطبقها المهاتما غاندي، وحاجتنا الملحة أيضا إلى الخروج من دوامة الفتن والتناحر والاقتتال».
وينطلق الشعلة في سياق سعيه البحث عن دواعي الكتابة هذه كي يبحر عميقًا في سيرة غادي الذاتية، مركزًا على أهم محطات تحولاته الفكرية، التي تبرز بينها فهم غاندي العميق للعلاقة التي تضبط إيقاع الارتباط بين المواطن والدولة، حيث يرى غاندي «المواطن غاية العملية السياسية وليس الدولة، وجعل الفرد محور اهتمامه، وهو بذلك يختلف عن الكثير من معاصريه من القادة والمفكرين السياسيين، أمثال لينين وستالين وماوتسي تونغ،...(ملتزمًا بأن) رسالة العمل السياسي تتمحور أساسًا في عملية إدارة تفاعل المجتمع لتحقيق التحول والتغيير كالانتقال السلمي من مجتمع الظلم والقهر إلى مجتمع العدالة والحرية».
هذا المفهوم المتقدم لمثل تلك العلاقة التي يبشر بها غاندي تتناقض تمامًا مع تلك النصائح التي قدمها نيكولا دي برناردو دي ميكيافليي لـ «أميره» حاكم مقاطعه في إيطاليا يدعى لورنزو دي مديشي، قيل ما يزيد على خمس مائة سنة حين دعاه، كما تتناقله المصاد التي نقلت نصوصًا من كتاب الأمير إلى:
تعليم شعبه «معنى روح الدوله حتى تصبح احسن القوانين ذات منفعه وحكمه والمحافظه على الدول بقليل من الكلام وكثير من الأفعال». ومن وجهة نظر ميكافيللي فإن «الضمان الأساسي لكي يكون الحكم ناجحًا هو القانون و قوة تنفيذه وتذكر أن السلاح يجعل القوانين جيده». كما أن «احترم الأخلاق طالما لا تعرقل الأهداف السياسية والاقتصادية... ولا مانع من استخدام الاستبداد لجذب الاستقرار للشعب... والملك لا يفتقر أبدًا للأسباب لكي يتراجع عن وعوده».
هذه يجعل القارئ يكتشف أن الدعوات التي تزخر بها كتابات غاندي تفتقدها الكثير من مكونات العمل السياسي العربي التي كثيرًا ما وجدت نفسها، من خلال ممارساتها، بوعي أو بدون وعي أسيرة دعوات ميكافيللي، وليس تبشيرات غاندي.
أكثر من ذلك، نجد كما ينقل الشعلة عن غاندي، أن هذا الأخير لا يكف عن تحدي «النظريات السياسية التي تدعو إلى علمنة السياسة، وتلك التي تدعو إلى تسييس الدين، وأدرك منذ البداية حساسية وخطورة الدمج أو الربط بين السياسة والدين، خصوصًا في المجتمعات متعددة الأديان والمعتقدات الدينية كالهند. كان غاندي يؤمن بأنه لا يمكن الفصل بين القيم الدينية والمبادئ السياسية، فهي متداخلة ومكملة لبعضها بعضًا، وإن استحالة الفصل بينها كاستحالة الفصل بين الدم والجسد. فاستنبط غاندي صيغة تجمع بين السياسة والدين والأخلاق في بوتقة واحدة، وأضفى الطابع الأخلاقي على المبادئ السياسية وطعمها بقيم روحية».
نجد المؤلف ينقل عن غاندي رفضه دعوات كل من حاول وضعه في خانة دينية سوى الهندوسية، بما فيها تلك الديانات السماوية مثل الإسلام والمسيحية، فنجد الشعلة يقتطف من «مجموعة كتابات غاندي، (ما نصه) يدور همس بأن قيامي بتوثيق علاقتي بأصدقائي من المسلمين والمسيحيين سيجعلني غير مؤهل لفهم العقلية الهندوسية، إن العقلية الهندوسية هي أنا، انني هندوسي سناتاني Sanatani Hindu، بعضهم قد يضحك ويقول كيف يمكن أن أكون هندوسيًا سناتانيا وأنا آكل وأشرب من أيدي مسلمين ومسيحيين».
لم تكن الصدفة وحدها هي التي دفعت غاندي نحو الهندوسية، فهو يعرف إن انتمائه لها يعني انتمائه للغالبية العظمى من سكان الهند، ومن ثم فهو عندما يقود تلك الفئة، يكون موضوعيًا يقود الغالبية الساحقة من سكان الهند، وبالتالي فهو لا يخطئ «بتقزيم» من دوره من خلال ابتعاده عن تلك الأغلبية.
وفي سياق رصده للمكونات النظرية التي شكلت الخميرة الأولى لفكر غاندي، نجد المؤلف يبرز بوضوح ثروة غاندي الفكرية التي أهلته لأن يكون «مخططا استراتيجيا وتكتيكيا»، ولذلك نرى غاندي، كما يرسم صورته الكاتب يعيد النظر «فيما كان يعرف بالمقاومة السلبية Passive Resistance)) التي يصفها المؤلف بأنها (المقاومة المستكينة)»، والتي يرى غاندي، كما ينقل المؤلف عبارة أنها «لن تعكس النبض والروح الحقيقية لأهداف الحراك المنشود، وأن العبارة تنطوي ايضا على نوع من السلبية واحساس بالضعف والاذعان والاستسلام، وأنها خالية من العنفوان والوثوب والمبادرة وغير قادرة على الإيحاء بالعزيمة والايمان والتصميم والثبات. وقد ينظر إليها البعض على إنها (سلاح الضعفاء) وهو احتمال حرص غاندي على تفاديه بشكل قاطع». ويوضح الكاتب أن غاندي «بعد الفرز والتمحيص رسا الرأي على اختيار تسمية ساتياغرا (Satyagraha)... وهي كلمة مركبة في الأصل من كلمتين في اللغة السنسكريتية القديمة، كلمة (ساتيا) وترجمتها (الحقيقة)، وكلمة (اغرا) وترجمتها القوة، وبذلك يصبح أقرب معنى للكلمة (حقيقة القوة) أو (قوة الحقيقة) أو (القوة الحقيقية)». ويضيف الكاتب «لقد أكد غاندي على أن الساتياغرا تختلف عن المقاومة المستكينة، لأن في الأخيرة توجد دائما فكرة مضايقة الطرف الآخر، أما بالنسبة إلى الساتياغرا، فلا وجود إطلاقًا لأي إمكانية لإيذاء الطرف المخالف. الساتياغرا تشترط أن يتم التغلب على مناوئيك عن طريق قبولك للتضحية والأذى»

 مراجعة ملخصة لكتاب «غاندي وقضايا العرب والمسلمين». تأليف الكاتب البحريني عبدالنبي الشعلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها