النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10973 الخميس 25 أبريل 2019 الموافق 20 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

العودة إلى سوريا...

رابط مختصر
العدد 10867 الأربعاء 9 يناير 2019 الموافق 3 جمادة الأول 1440

انسحب العرب من العراق في أوج العدوان الأمريكي على هذا البلد العربي المهم في العام 2003م، واكتفوا بالفرجة على اسقاط نظامه وتدمير بنية دولته المستقرة، تاركين البلد وأهله في مهب ريح الاحتلال الأمريكي.

 ولأن السياسة - مثل الفيزياء - لا تقبل الفراغ، فقد ملأ هذا الفراغ كل من الاحتلال الأمريكي والسيطرة الإيرانية على مفاصل الدولة العراقية والعبث ببنيته الاجتماعية والسياسية، وإحلال المنطق الطائفي بديلاً عن المواطنية العراقية. وفي ظل هذا الغياب العربي والذي استمر لعدة سنوات، تغيرت المعادلات الداخلية في هذا البلد، على حساب عروبة العراق وهويته ووحدة شعبه، وتغيرت خارطة التحالفات والمعادلات السياسية.

وبعد سنوات من الانسحاب غير المدروس، أدرك العرب متأخرين جدًا أنه ما كان يجب أن يغادروا وأن يتركوا الجمل بما حمل. خصوصًا أن الاحتلال قد دمر وبالكامل بنية الدولة والجيش والأمن والاقتصاد. 

كما أن إيران وميلشياتها قد تمكنت من تحويل قسم كبير من العراق إلى مجرد حديقة خلفية لها تتحرك فيها بكل حرية، ومن دون قيود تقريبًا، حتى أصبح لها القول الفصل في مفاعيل السياسة العراقية وتفاصليها السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، ووجد العرب أنفسهم-وبعد فوات الأوان- عندما استعادوا الوعي في الوقت الضائع، خارج المعادلة أو على هامشها على اقل تقدير، بعكس الامريكان والأتراك والإيرانيين الذين تقاسموا الأدوار فيما بينهم.

نفس الخطأ أعاد جل العرب ارتكابه مع سوريا، فمنذ حوالي سبع سنوات تُركت سوريا منفردة في مواجهة الزحف الإرهابي الخارجي، وفي مواجهة آلة القتل اليومي والتدمير المنهجي من خلال استجلاب الآلاف من الإرهابيين الدواعش وغير الدواعش وتسليحهم وتمويلهم وتدريبهم تحت شعار دعم الثورة السورية.

وتحوّلت تلك المليشيات المرتزقة في أغلبها، إلى سبب وعلة للتدخل الخارجي الشامل في الأراضي السوريا تحت عنوان «محاربة الإرهاب»، بعد أن تحول الإرهاب الذي تمت صناعته، إلى قوة كاسحة انتقلت من سوريا إلى العراق وباتت تهدد الجميع.

وبالرغم من الألم الذي عاشه ويعيشه السوريون في ظل السلطة السياسية الوطنية وعجزها عن إيجاد مخرج سلمي سياسي للأزمة التي طالت وأكلت آلاف الضحايا، فإنه من الواضح أن هنالك قرارًا بترك الحبل على الغارب في هذا البلد العربي، حتى يتم تدميره بشكل كامل، بدءًا بتهشيم الدولة، ومرورًا بتدمير البنية الاجتماعية - الاقتصادية، ووصولاً إلى التفكيك الجغرافي على النمط الذي أنجزه الأمريكان في العراق بالتعاون مع الإيرانيين بتكلفة بشرية وعسكرية ومالية ضخمة.

واستخلاصًا من الدرس العراقي الذي كلف الخزينة الأمريكية مئات المليارات، وأكثر من 5 آلاف قتيل، كان المطلوب هذه المرة هو إنجاز نفس المستوى من التدمير (وربما أكثر وأوسع مجالاً) من دون تكلفة بشرية أو مالية، إلا من لحم الشعب السوري ومن مقدراته ومن وحدته وأرضه واستقلاله.

ومن مظاهر تلك الإرادة الشريرة الإبقاء على حالة «تبادل التدمير» بين طرفي النزاع داخل سوريا (المعارضة المسلحة التي تريد إسقاط النظام بالقوة المسلحة، والنظام السياسي المتمسك بالبقاء إلى آخر رمق)، وهدفت تلك الآلية إلى ألا يكون هنالك منهزم أو منتصر على المدى الفوري (لأن الانتصار أو الهزيمة لأحد الطرفين يعني اختصار الخسائر السورية وتقليل مدى ومجال التدخل الخارجي)، بما يمدد في حالة التدمير والتآكل وبناء شبكة الحقد المتبادل والانتقام وتعزيز الطائفية، ليس على صعيد القطر السوري فحسب، بل على صعيد المنطقة كلها من خلال استمرار الفرجة السياسية على ما يحدث من دون إرادة دولية للمساعدة على إيجاد حل حقيقي وسريع لهذه الأزمة.

ومن ذلك أيضا الحرص على استكمال دائرة التدمير البنيوي للإنسان السوري، من خلال تشكيكه في الثوابت المرتبطة بهويته العربية، وإدخاله على خط التناحر الطائفي والاثني على النمط الذي تم إحياؤه في العراق. إلا أنه من المهم القول إن سوريا المقسمة طائفيًا وقوميًا والمثقلة بسلاح الفوضى هي أسوأ على الجميع من سوريا العربية الموحدة تحت سلطة البعث أو تحت سلطة الجيش حتى، فالتفكيك والتقسيم لن يساهما مطلقا في تأمين الاستقرار الذي يتحدث عنه الأمريكان والأوروبيون، والتجربة العراقية أكبر دليل على ذلك. فمنذ تم احتلال العراق لم نشهد سوى القتل المتبادل ومئات المليارات من الدولارات ومئات الآلاف من القتلى العراقيين الذين ذهبوا هباء، وعشرات الخطط العسكرية والبرامج والحكومات العراقية المتعاقبة التي لم تنجح بعد في استعادة العراق ما قبل الاحتلال حتى، لم تفلح جميعها في استعادة الاستقرار واستعادة أهم مقومات الحياة (الأمن والغذاء والكهرباء والماء)، بل إن العراق اليوم هو من بين الأماكن خطورة في العالم، فهو ساحة مفتوحة للحرب والاقتتال الطائفي وتصفية الحسابات الانتقامية، يتداخل فيها السياسي بالطائفي بالإرهابي.

واليوم، فإنه من الواضح أن تلك الخطة اللعينة التي استهدف التدمير المنهجي لسوريا، قد فشلت رغم ثقل الفاتورة البشرية والمادي، أو هي على أبواب الفشل تقريبا بفضل صمود الدولة السورية وجيشها بالدرجة الأولى.

ولذلك أدرك العرب - أو بعضهم على الأقل - أنهم قد أخطأوا لما قاطعوا سوريا وعلّقوا عضويتها في جامعة الدول العربية، وتركوها فريسة أمام الإرهاب والتدخل الخارجي الأمريكي والروسي والتركي والإيراني (مع اختلاف في الأدوار). ومن المهم هنا أن تكون عودة العرب هذه المرة فاعلة وقوية، تسهم في الحفاظ على هوية سوريا العربية ووحدة أراضيها وشعبها ونموذجها الاجتماعي المتنوع في وحدته. وأن يكون العرب اول من يدعم إعادة إعمار سوريا واستعادة توازنها السياسي والاجتماعي.

وفي الخلاصة، فإن موجة ما سُمي بالربيع العربي التي مسّت عددًا من الدول العربية، ومنها سوريا، لم تحدث بمعزل عن مخططات مدروسة لها علاقة مباشرة بمصالح أطراف دولية وإقليمية. 

فمفهوم «الدولة العربية الفاشلة» الذي ظهر في الأدبيات السياسية الأمريكية في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر 2001، واقترن بالحرب الأمريكية على العراق واحتلاله كان يتضمن، ضمن أحد أبعاده، الدعوة إلى التغيير الديمقراطي بعض إشكاليات التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في البلدان العربية، من دون النظر إلى أن التغيير الديمقراطي هو بالأساس عملية داخلية تم إنجازها في موطنها الأصلي (أوروبا) عبر صيرورة تاريخية استمرت ثلاثة قرون. ولم يتم ذلك إلا بعد تحقق عدد من الأسس، والتي لا تقوم الديمقراطية بدونها. وترافقت هذه الدعوة مع الأبعاد الأخرى الأكثر أهمية، بإعادة ترسيم الخرائط السياسية في المنطقة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية (إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه في أعقاب الحرب العالمية الأولى من أرض العرب) تحت شعار إقامة دول أو دويلات «أكثر تجانسًا وانسجامًا» كبديل لنموذج الدولة الفاشلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها