النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

غضب في ضواحي باريس 3/‏1

رابط مختصر
العدد 10865 الاثنين 7 يناير 2019 الموافق 1 جمادة الأول 1440

تندلع حرائق الغابات من عود ثقاب، مثلها مثل الشرارات في الاحتجاجات الشعبية، كما حدث في باريس وعموم فرنسا، ففي السابع عشر من نوفمبر 2018 استيقظت باريس وضواحيها على بركان غاضب واستياء متناهي وسترات صفراء، ولكن الشرارة هذه المرة لم تكن من عود ثقاب عبثي في غابة ألقاها مستهتر، وإنما من جراء ارتفاع اسعار الوقود، التي لم تعد أعباء المواطن الفرنسي ذوي الدخل المحدود قابلة على تحملها اكثر من طاقته ودخله الشهري. 

كلف الاستياء والغضب فرنسا خسائر فادحة في صراع اجتماعي وسياسي غير متوازن في الشارع بين السلطتين والقوتين، بين سلطة شعبية تعتمد على تضامنها الجماهيري وسلطة الدولة التي تعتمد على قوتها الرادعة بقوى الشغب لحماية الامن العام والممتلكات العامة، حيث لم تهتم تلك الجماهير الغاضبة بالنتائج ولا بالمعايير الطبقية الاخلاقية في الصراع بين أصحاب حق ودولة ومؤسسات رأسمالية، فكان التخريب والنهب والعنف المتبادل سلاحاً يفضي في نهاية الطريق الى نفق مظلم، بل ولربما يفجر نطاق واتساع الاحتجاج من دائرته المحدودة الى حريق اوسع يجر البلاد واقتصادياتها للخسائر المروعة.

 بدأت الأمور بين الطرفين كراً وفراً ومتاريس خفيفة في ضواحي باريس وأهم شوارعها التجارية الحية كالشانزليزيه وقوس النصر، ولكن تصاعد الاحتجاج والصدام منع الفرنسيين من حرية التنقل، وخروج حركة السترات الصفراء باعداد بلغت -وفق التقديرات الرسمية- ما يقرب من 31 ألف مشارك، في مناخ من الأدخنة الخانقة في باريس «النور» ومدرعات مصفحة تنذر بأجواء مجهولة، اخذت تقلق المجتمع الفرنسي برمته، عندما نزل للشوارع 90 ألف شرطي، ثمانية آلاف منهم فقط لمدينة باريس، تلك الإجراءات الامنية الصارمة بهدف إغلاق وسط باريس، وقد وصف وزير الداخلية كاستنير فداحة المواجهات العنيفة وحركة السترات الصفراء «بالوحوش!» التي تنشر الرعب، بعد أن تحولت جادة الشانزليزيه لمقبرة من التدمير وغطت الالواح الخشبية والحديدية واجهات المحلات، فما عادت تلك المحلات متعة للترف الطبقي في قياسات العصاة المتمردين على القانون. 

ثلاثة أسابيع لم ينجح أي طرف في تهدئة الوضع واللجوء للحوار الفاعل، إلا بعد أن اكتشف الطرفين أن التحديات الاحتجاجية مستمرة، وتجاذب خطاب القوة والقمع يطغى على لغة التهدئة والنقاش للوصول لتسوية عادلة أو نصف عادلة! وبعد توقيف ما يقرب من 1385 وسقوط جرحى بالعشرات من الشرطة والمحتجين ناهزوا 135 مصابًا. عندها سمع العالم والمجتمع الفرنسي عن أن هناك بين حركة السترات الصفراء عناصر من المخربين اندسوا داخل تلك الاحتجاجات وتسببوا بعمليات النهب والتخريب والسرقات. 

انشلت باريس تماماً من حركة السياحة وإيقاع الحياة اليومية الثقافية والانسانية، وبدت المقاهي الباريسية حزينة وكئيبة، بأضواء ليلية خافتة، لولا تلك النيران الملتهبة في الأمكنة والمحلات، هنا وهناك، وفي الشوارع الفرعية لسيارات محترقة، وقد باتت ممتلكات الناس ضحية فادحة لغضب وهستيريا لتلك الحماقات المجنونة المسكونة بالفوضى. 

بين الشد والجذب، بين صراع السلطة والدولة والطبقات المسحوقة، اكتشف المجتمع الفرنسي بأحزابه ومؤسساته، عن وجود ظاهرة جديدة تنامت في المجتمع، نتيجة تخاذل الاحزاب ومهادنة النقابات، فكان لابد من تلك «الكتلة التاريخية الجديدة» في المجتمع المدني الحديث، أن تنظم نفسها وتحشد قواها دون الاتكاء والاعتماد على تيارات اليمين أو اليسار في التحضير لحراك سياسي واسع. لذا التحقت فيما بعد القوى السياسية والاتجاهات المختلفة من قطاعات مهنية دنيا وأحزاب ومؤسسات، وجدت في تحركات السترات الصفراء نوعًا من الشرعية المعقولة في طبيعة مطالبهم، دون الاتفاق معهم في صيغة المواجهات العنيفة لمعالجة المشاكل المستفحلة في البنية المجتمعية وفي سياسات حكومة ماكرون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها