النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

ماذا يفعلون بأنفسهم؟

في علوم التشويه و«التنفيخ» وتجلط المشاعر!!

رابط مختصر
العدد 10865 الاثنين 7 يناير 2019 الموافق 1 جمادة الأول 1440

 أذكر قبل نحو عشرين سنة، ومع بدء موضة العدسات الملونة، أنني فوجئت بزميلة لنا ذات صباح، وقد تغير لون عينيها، وخجلت وقتها ان أسالها عن ذلك، وشككت في نفسي وفي إدراكي، فسألت زميلاً وأنا في غاية التردد متسائلاً ما إذا كان الصديق قد لاحظ ما لاحظته؟ فانفجر ضاحكًا إلى أن دمعت عيناه. وفسر لي بكل بساطة تلك الظاهرة الجنونية الجديدة - ولم يكن لي علم بها مطلقا- والتي تجعل الشخص قادرًا على تلوين عينيه خضراء او زرقاء او شهلاء او سوداء او بنية بكل بساطة، وبحسب لون قميصه أو فستانه أو بحسب أحوال الطقس، وإذا ما كانت الشمس مشرقة أو غائبة، كليًا أو جزئيًا. بل وبإمكانه ان يغيِّر لون العينين يوميًا، أو في اليوم الواحد أكثر من مرة، يكفي أن يقتني علبة تحتوي على طاقم من العدسات الملونة، لون لكل يوم، وبحسب ما تقوله له الأبراج إن أراد ذلك!!

حدث ذلك قبل أكثر من عشرين عامًا، وكنَّا بين مستغرب ومستنكر ومستبشر، وكنت شخصيًا استنكره أشد الاستنكار لأنني كنت أستشعر أنه نوع من التدليس والغش والخداع من منظوري التقليدي المتخلف، بحسب وصف الزميل آنذاك، والذي تقاعد مؤخرًا بعينين خضراوين والحمد لله!

أما اليوم فقد أصبح الأمر أكثر دراماتيكية واستفزازًا، فأصبح الناس من حولك يبيتون على شاكلة وشكل، ويصبحون وهم على صورة جديدة تمامًا، لم تعهدها من قبل، فكأنهم مسوخ أو كائنات مصنعة في مصانع أفلام الخيال العلمي.. الكل ينفخ ويعدل في خلق الله من دون حاجة أو ضرورة صحية: نفخ للشفاه حتى لكأنها ضُربت بلكمة ملاكم أو سقطت صاحبتها على سلم من رخام أو ألقيت من حالق.

تبييض للأسنان وإعادة بنائها بشكل اصطناعي، حتى لكأنها صبغت بأصباغ هميل اللماعة في الآن والساعة. تركيب جفون بلاستيكية ورموش اصطناعية مزيفة تدعو للسخرية لشدة طولها والمبالغة في تصبيغها. هذا دون الحديث عن تحولات عجائبية في اللون والشكل في مناطق مختلفة من الجسم، مما يستدعي تغييرًا أسبوعيًا لصور بطاقة الهوية وجواز السفر، بسبب التغير الدراماتيكي في ملامح الهوية وصورة الشخصية. وهو أمر راجع في الغالب للجوء العديد من النساء وبعض الرجال أيضًا، إلى إجراء العديد من العمليات غير الضرورية تحت وطأة انعدام الثقة بالنفس والقلق وانخفاض الإحساس بتقدير الذات، استنادًا إلى الصور المتداولة في وسائل الاعلام عن جمال مثالي وشباب دائم لا ينقضي، مما يجعل بعض النساء وبعض الرجال أيضًا مهووسين بتغيير ملامح الجسم كله أو بعضه، وقد يصل هذا الهوس الى حد الشعور بخيبة أمل كبيرة، باللجوء الى العديد من العمليات، والتي قد يؤدي بعضها إلى نوع من التشتت في الفكر واهتزاز العلاقات مع الآخرين، نتيجة تغير الشكل واهتزاز الهوية، واغتراب الشخص حتى عن نفسه، فضلاً عن الإصابة بالعديد من المشكلات الصحية التي قد يكون بعضها كارثيًا.

وباستثناء الحالات الصحية الضرورية الناجمة عن تشوهات خلقية أو حوادث خطيرة، فإن الجزء الأكبر من هذه العمليات غير الضرورية تصيب هواة التعديل والتجريح والتنفيخ، في وجوههم بكوارث صحية واجتماعية ونفسية، فهم لا يجنون أي فائدة حقيقية من هذه العمليات، وربما قد يكون من الأفضل بالنسبة لمن تنعدم لديهم الثقة بالنفس اللجوء إلى الطب النفسي، بدلاً من العبث التجميلي.

** في علم تجلط المشاعر

ظواهر عديدة راسبة في أعماق السلوك الإنساني الجماعي، وفي دورة الأحاسيس الفردية، كثيرًا ما تتسبب في مفعول الجلطة في شرايين التواصل الإنساني. ويتولد عن ذلك ما يمكن أن نطلق عليه مسمى (تجلط المشاعر). فإذا كانت الجلطات القلبية أو الدماغية تمس الشرايين في القلب أو في المخ، فإن تجلط المشاعر يمس الشعور والاحساس العاطفي والوجداني بشكل رئيسي. ولذلك لم يكن غريبًا أن يظهر منذ سبعينيات القرن الماضي اهتمام خاص في علم النفس بهذه الظاهرة التي تسود قسمًا من السكان في العديد من المدن الغربية: فبعض الناس يعوزهم الشعور بالفرح أو الحزن أو الحب، وعادة ما يتم تشخيص مثل هؤلاء بالإصابة بمرض فِقدان الـمشاعر alexithymia: فأنت تخرج إلى الشارع وتمشي وسط المجمعات وفي الحدائق والطرقات والناس يحيطون بك من كل جانب، وفجأة تغيب جميع تلك الوجوه والصور، ويضيع الإحساس بها، وتختفي الأصوات والألوان، وتدخل في حالة من العزلة والوحدة التي تقترب من الغيبوبة. تنغلق عن الخارج تماما، فكأنك مخدر أو سكران، والناس من حولك لا يشعرون بك ولا بحالتك، لا أحد يلتفت إليك حتى وإن سقطت مغشيا عليك. الجميع يمر ولا يحس بالآخر، الجميع غارقون في دواخلهم في أعماق ذواتهم التي سحقها المجتمع الجديد وآلته الجبارة.

هذا هو ما يمكن أن نطلق عليه (تجلط المشاعر)، ومن أخطر أعراضه الاجتماعية: اللامبالاة والهروب على الصعيدين الفردي والجماعي، وهي من الأعراض التي بدأت تنتشر بشكل مخيف. ومع آلام البوح بما تضمره النفوس المصدومة، أصبحنا نجد مطلقات يزغردن في جنائز مفارقهن، كما أصبحت تصلنا صور لحفلات طلاق تقام في الفنادق الفخمة، وتوزع فيها الحلوى والورود على عابري السبيل والشامتين، وتُستدعى لها راقصات من أطراف الدنيا الأربعة. كما أصبحنا نجد مداحين يتلذذون بهجاء من فشلوا في مدحه علنا... والدنيا مسرح كبير. فهل بلغت عندنا ظاهرة تجلط المشاعر واعتلال الشعور درجة تستدعي فتح فرع لعلم تجلط المشاعر في جامعاتنا؟

 

همس

وصف العالم ريتشارد لين - من جامعة أريزونا - حالة فقدان المشاعر بأنها «تكمن في المرحلة اللغوية: فالمصابون بفقدان المشاعر يشعرون كما يشعر الآخرون غير أنهم لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم. وافترض العلماء أن السبب يعود إلى انقطاع الاتصال بين جزئي المخ، مما يمنع وصول الإشارات من منطقة العاطفة، التي تقع في الجزء الأيمن من المخ، إلى منطقة اللغة في الجزء الأيسر. فيحتاج المريض ناقلًا لتلك العاطفة ليعبر عما يشعر به».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها