النسخة الورقية
العدد 11150 السبت 19 أكتوبر 2019 الموافق 19 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

كذبَ المنجمون ولو صدقوا

رابط مختصر
العدد 10863 السبت 5 يناير 2019 الموافق 29 ربيع الآخر 1440

لا أؤمن بأن هناك من يعلم بما سيحدث في المستقبل من خلال الفلك والأبراج أو قراءة الفنجان أو الكف، واعتبر كل ذلك ضربًا من ضروب الشعوذة، فالله عز وجل وحده من يعلم بالغيب وليس هذا المتنبئ أو تلك البصَّارة، لكني أعرف في الوقت ذاته أناسًا يأخذون قراراتهم بل ويخططون مستقبلهم اعتمادًا على تلك الخزعبلات.
الدنيا مواسم، وموسم المتنبئين يزدهر في فترة نهاية العام وبداية العام الجديد، فيحتلون الشاشات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، ويطلقون تنبوءاتهم حول السياسية والاقتصاد وغيرها، يقولون إن دولاً وأنظمة بعينها ستنهار وأخرى ستزدهر، وأن مشاهير وزعماء سيموتون أو يجري اغتيالهم، وأن فرقًا رياضية ستعتلي منصات التتويج وأخرى ستهبط إلى الدرجة الثانية، وغير ذلك من الأمور التي ينجذب لها السذج من الناس.
في الواقع إن العديد من أصدقائي ومعارفي يرصدون تلك التنبوءات ويصغون لكل من تنبأ، وواحد من بينهم وصل به الأمر إلى حد الهوس، يقرأ برجه كل صباح قبل أن يخرج إلى العمل، ويربط تفاؤله أو تشاؤمه في ذلك اليوم بما يقوله له البرج، وقد سألته مرة: كم عدد تلك التنبوءات التي صحَّت بالفعل؟ وكم منها عام وانت تفسره بالطريقة التي تريدها؟ فاعترف بأن معظمها عام وفضفاض لكنه يتأثر بها إلى أبعد حد، فإذا كان البرج الصباحي متشائم يشعر صديقي بالمرض، بل يستسلم له، حتى أنه يعتقد أنه على فراش الموت، أما إذا أخبره البرج بأنه سيستلم دفعة كبيرة من المال ولم يحدث هذا فإن صديقي يقول لنفسه: إن المال في الطريق إلي الآن لا محالة!
أتذكر أنه في العام 2016 توقع منجم لبناني حدوث تغيرات كبيرة في أنظمة الحكم في المنطقة، وأن تركيا بأكملها ستصبح بلدًا مسيحيًا، وعندما استفسرت عن الأمر عن طريق أحد الأصدقاء المشتركين عرفت أن ذلك المتنبئ لديه خلفيات سياسية بالفعل، لكنه مؤمن بما يقوله حول المستقبل، وفي الحقيقة كان رده مثار سخريتي أنا وصديقي، فتركيا لن تصبح مسيحية كما أن إيطاليا لن تصبح مسلمة، على الأقل ليس بين ليلة وضحاها.
في الواقع إن بعض الزعماء سوف يمرضون أو يموتون لأن الإنسان بطبيعته يمرض ويموت، وليس لأن أحد المنجمين تنبأ بذلك، وسوريا ستعود إلى الإعمار، وهذا طبيعي لأن الشعب السوري لن يموت، إنما لن يكون الإعمار خلال عام كما توقع أحد المنجمون، فما من عاقل يصدق ذلك.
قد تتحقق أحيانًا هذه النبوءة أو تلك، لكن عن طريق الصدفة البحتة فقط، فنحن نسعى لأقدارنا، ونحن مخيرون ولسنا مسيرين، والله سبحانه وتعالى فقط من يخيرنا ويسيرنا.
ما أؤمن به هو أن كل منجم يعمل بدوافع شخصية أو دينية أو سياسية أو مادية، ولديه لوثة في عقله، أو ذكاء خارق استطاع من خلاله إحداث لوثة في عقل اتباعه، وأدرك تمامًا أن التنجيم أصبح مهنة قائمة بذاتها تضمن لأصحابها الظهور والنجومية ومداخيل مادية عالية، شرط أن يتقنوا جميع فنون «الزعبرة» على الناس.
لكن الواقع أن قائمة أتباع المنجمين أو الذين يعتقدون بصدقهم كليًا أو جزئيًا لا تقتصر على العوام، إنما تضم رجال أعمال ومشاهير وحتى رؤساء دول، ويقال إن الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن أدخل المنجمين والسحرة إلى مجلس الدوما الروسي للسيطرة على أعدائه هناك، والرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن برَّر غزوه للعراق بأن صوتًا أو هاتفًا أتاه من السماء وطلب منه ذلك.
لا زالت توقعات الفيلسوف والفيزيائي والفلكي الفرنسي نوسترداموس الذي عاش في القرن السادس عشر تلاقي رواجًا حتى يومنا هذا على صدر صفحات الصحف العالمية، وقد توقع أن العام 2017 سيكون عام «الإنذارات المرعبة التي ستعصف بالعالم»، وها قد انقضى العام المذكور، والعام 2018 أيضا، وكل ما شهدناه هو امتداد لمآسي العام 2016 و2015، وما قبله وقبله. وبالمناسبة فإن نوسترداموس توقع نهاية العالم عام 3797، ولا داعي للقلق بهذا الشأن لأننا لن نكون أحياء في ذلك التاريخ، على الأغلب.
كذلك أحيطت البلغارية «بابا فانجا» بهالة شبه أسطورية نتيجة ما قيل عن قدرتها الخارقة على التنبؤ بالمستقبل، فرغم أنها ولدت كفيفة وتوفيت كفيفة إلا أنها استطاعت رؤية الأحداث قبل حدوثها، وأنا طبعا أشك في كل ذلك.
في تاريخنا العربي قصص تثبت وجهة نظري، من بينها أن المنجمون حذَّروا الخليفة العباسي المعتصم بالله من الهزيمة في حال غزا عمورية قبل نضوج التين والعنب، لكنه لم يلقَ لهم بالاً، وشن الحرب وانتصر نصرًا مؤزرًا، فأنشد الشاعر أبو تمام قصيدة تحتفي بالعقل والتدبير والحزم والعزم في مواجهة الخزعبلات والرجم بالغيب والتطيّر، ومطلع القصيدة الشهير معروف للجميع عندما قال «السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ.. في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ، بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ في مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والرِّيَبِ».
هل نستغني عن مراكز الدراسات والأبحاث طالما أن لدينا أشخاص خارقون يمكنهم معرفة ما سيحدث؟ هل نستغني عن الدراسة والعمل والاجتهاد ونوكل أمرنا للمنجمين؟.. بالطبع لا، وإنما لنكن في مستهل هذا العام عقلانيين أكثر نؤمن بالواقع الذي نعيشه وبمقدرتنا على أن نصنع مستقبلنا وحياتنا، مؤمنين بمبدأ «تفاءلوا بالخير تجدوه».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها