النسخة الورقية
العدد 11125 الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 الموافق 25 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

اختبار آخر للديمقراطية

رابط مختصر
العدد 10863 السبت 5 يناير 2019 الموافق 29 ربيع الآخر 1440

حققت الرأسمالية نجاحًا واسعًا منقطع النظير غير مسبوق في التاريخ البشري، في المجتمعات الغربية على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فعاشت في ظل استقرار عام زهاء ثلاثة أرباع القرن، بدأ من نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945م.
كان سبب هذا الاستقرار يعود الى النظام الليبرالي الرأسمالي الذي تطورت فيه الصناعة والتجارة، وفق آلية تنموية متقدمة ومستمرة حققت ازدهارًا ورفاهًا استفادت منه كل الطبقات، بما فيها الطبقات الفقيرة، لكن الرأسمالية الليبرالية ذاتها لم تحافظ على هذا الاستقرار، حيث انتكست في العام 2008 إثر الهزة الاقتصادية الكبيرة التي عصفت بالغرب. بعد هذه الهزة التي لا زالت تبعاتها قائمة، حدثت تصدعات اقتصادية جديدة فاقمت المشكلة وأثرت سلبا على الحياة المعيشية للطبقات البسيطة والفقيرة والمتوسطة.
في أحد أعداد صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية الأخيرة يكتب المحلل الأمريكي الشهير توماس فريدمان عن هذه التصدعات في القوة الأمريكية والغربية فيقول: (تتعرض هاتان القوتان اللتان كانتا مركزين للأسواق المفتوحة والشعوب والأفكار الحرة، لهزات عنيفة في الوقت الراهن بسبب حالات تمرد في المناطق الريفية، خارج الضواحي من قبل الطبقات العاملة والمتوسطة والفقيرة من البيض، التي لم تستفد  بشكل عام من قفزات العولمة والهجرة والتكنولوجيا)، يزعم الكاتب فريدمان في هذا المقال أن هناك تآكلاً يصيب الطبقة الوسطى في الغرب بعد أن تقلصت الوظائف التي تحتاج الى مهارات متوسطة وتؤمن دخلاً مرتفعًا، إذ - مع التطور التكنولوجي والروبوتات والذكاء الإصطناعي - تلاشت هذه المهن التي تدر ربحًا عاليًا، وما تبقى من هذه المهن، هي تلك التي تحتاج الى مهارات بسيطة وتدر ربحًا منخفضًا. هذا بالطبع يؤدي الى هبوط أعداد غير قليلة من الطبقة الوسطى التي تتآكل وتنحدر الى الطبقة الفقيرة.
هذه التأثيرات السلبية للاقتصاد الرأسمالي  أضيف إليها، نظام الهجرات القادمة من الشرق، بالإضافة الى الضرائب الجديدة التي ترهق كاهل محدودي الدخل والطبقة الوسطي. يذكر أن الازدهار الاقتصادي في الغرب اعتمد أساسًا على الطبقة الوسطى. وهناك سبب آخر لتقهقر معيشة الطبقات السفلية، يعود الى انفصال النخب الحاكمة عن الطبقات الفقيرة والمتوسطة. يقول المواطن الفرنسي فلورينس من أصحاب السترات الصفراء عن الرئيس إمانويل ماكرون لصحيفة الجاردين الإنجليزية في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي: (عندما يظهر على شاشة التلفزيون يكون لدينا انطباع بأنه لا يعبأ بالمواطنين العاديين، وبأنه يزدرينا).
هذه المتغيرات الجديدة في الغرب أثارت تساؤلات عامة لدى بعض الباحثين، تشكك في النظام الرأسمالي برمته، زاعمة أن الخلل قائم في طبيعة هذا النظام الذي يصفه بعض مفكري الغرب بالتوحش والركض وراء الأرباح وتكديس الثروات. لكن هذا النظام هو نفسه، الذي تحققت في ظله امتيازات اجتماعية واقتصادية كثيرة للطبقات السفلية بخاصة في شمال القارة، فأين الخلل إذن؟ وهل يستدعي حل المشكلة تغيير النظام الرأسمالي؟ ثم ما هو البديل الأفضل؟ وهل ما يحدث اليوم من انقسامات واحتجاجات في بلدان الغرب هو صراع اجتماعي طبقي جديد، يحتاج الى تحليل ورصد من قبل المفكرين والأحزاب ورجال السلطة والمجتمع برمته؟ يتفق الكثير من المحللين أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحالية تهدد الاستقرار السياسي في الغرب. كما يتفق الكثيرون أن المجتمع الرأسمالي لن يتغير، إذ لا توجد بدائل في الأفق المرئي سوى القفز في الظلام، وسبق بعد الثورة البلشفية والحرب الباردة أن عرضت الثقافة الماركسية بديلاً اشتراكيًا للرأسمالية كان مصيره الفشل. لكن هل سيؤدي تفاقم الأزمات (النصال على النصال) الى صدام طبقي اجتماعي جديد؟ الإجابة تأتي بالنفي لأسباب منطقية: عندما تحدث مثل هذه القلاقل والأزمات في العالم النامي، قد تتسع هذه الأزمات في ظل انعدام النظام الديمقراطي أو ضعفه، لكن هذا لن يحدث في الغرب لسبب بسيط واحد هو وجود نظام ديمقراطي متكامل وعريق. فالديمقراطية بآلياتها الكثيرة تحول الصراع الطبقي الى اختلاف اجتماعي من الممكن حله عبر قنوات أقل صدامًا وضجيجًا، كالتظاهر السلمي، والمجلس النيابي والتفاوض عبر الأحزاب والنقابات والمؤسسات المدنية الأخرى. ولدينا مثال المشكلات الأخيرة اليوم في فرنسا كنموذج التي امتصتها القنوات الديمقراطية.
لذا يرى المراقبون للشأن الأوروبي أن أحداث وأزمات الغرب يمكن احتواؤها ديمقراطيًا، وعبر قنوات التفاوض والحوار. الآلية الديمقراطية تحافظ على تماسك المجتمع وتبعد عنه الشطط والانحراف الى الحروب والتصادم الذي يميل الى العنف والإقتتال والدموية. وكل هذا يؤكد أن الديمقراطية هي بالفعل النظام الأنسب على الإطلاق، وصمام الأمان لسلامة الشعوب ورفاهها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها