النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

رائحة المحرق بعد 42 عامًا!

رابط مختصر
العدد 10861 الخميس 3 يناير 2019 الموافق 27 ربيع الآخر 1440

كان عليّ أن أكتب المقالة بعد عودتي للبيت وأنا في حموة النشوة والاستذكار الطويل لشخص كنت أتوق لرؤيته منذ أكثر من 42 عاماً مضت، وهي حكاية جديرة بعمل روائي أكثر من كونها خاطرة عابرة ليوم رائع ومرتعش في حياتي. 

قررت تأجيل مشاعري المتقدة وأنا في بيت الصديق عبدالرحمن الحمادي وزوجته الكريمة، ففي دفء ذلك البيت كان ماضي المحرق ورائحته يتحرك، كشريط لا يمكننا إيقافه، إيقاف لهجته المتميزة، فهو يتوارد ويتحرك بسرعة كما تحركت عجلة سيارتنا نحو ماضي المحرق، فقد قلت له ولجكنم أود دخول الدير وسماهيج، فلِي فيها أصدقاء أعزاء بالرغم من إنني لا أعرف بيوتهم. أريد أن أشمها وأشم رائحة البحر في المحرق وكل بساتينها القابعة عند الموج، وهي ترسم لوحتها بصمت أبدي. 

عدت من تلك الظهيرة وأنا محمول بآمال عريضة بأن أكتب ما يعتريني من وجع ومحبة، لأيام كانت مضطربة في الروح والوجدان والذاكرة، فليس بالإمكان مقاومة شعور انك ستلتقي بصديق لم تراه طوال تلك الفترة، قيل لي عنه الكثير فلم أشبع، وقيل لي عنه الحكايات فلم أرتو، فشوقي كان هو ذاكرتي القابعة في سجن القلعة وأنا شاب لم يتجاوز السابعة عشرة. كان قلبي يدق بقوة مثلما كانت ذاكرتي تستحضره بقوة، وهو جالس في برج القلعة وكأنه قديس يصلي بملابسه الرثة، التي رفض الأمن الانجليزي يومها أن يمنحه حق تبديلها، فكان عليه أن يقبل الانتقام ويواصل التحدي، كرجل تعلم الانضباط العسكري وهو في كلية الشرطة في القاهرة. 

كان عبد الرحمن جكنم (العبيدلي) صورة فنية، بورتريه للوحة كلاسيكية تنتمي للقرن الثامن عشر، عينان صغيرتان اختفت في لحية كثة لم تحلق لأكثر من شهر ونصف، فبدا وكأنه شخصية سلافية رسمها ديستوفسكي عن نفسه، بهذا المظهر وجدته بين جدران تلك الزنزانة الدائرية المغلقة ونحن نتبادل حديث الحياة وغضب الانتفاضة الخارجي، فقد علمني أن أكون مكابرًا حتى آخر لحظة. 

كانت السماء من فوق سقف زنزانة برج القلعة في جنوبها الغربي فضاء صغيرًا، بثقوب تطل على الساحة الخارجية، فلا نشعر بحيوية الأشياء إلا من خلال تلك الثقوب، فهي نبضنا الخارجي للدنيا، مثلما كانت دقات المطرقة في الثانية عشرة ظهرًا في ساحة القلعة تجعلنا نتلمس الزمن، وموعد وجبة الغداء، فالشمس تبدو مخادعة بظلالها المتساقطة من ثقوب الزنزانة، مثلما هي خداع الأصوات القادمة من بعيد.

 في السادس عشر من ابريل اقتدت إلى زنزانة البرج في قلعة المنامة في صبيحة فجر بدا ضوؤه الربيعي شاحبًا، إلا من ضجيج تتعالى في سمائه انتفاضة مارس 1965، فلم أدرك أن القدر سيجعلني ألتقي بشخص من طراز عبد الرحمن جكنم، الشاب المحرقي الذي عرف بابكو ومدارسها وهو ابن الرابعة عشرة، وطحنته شركة ألبا بعد بابكو كأي واحد من أبناء هذا الوطن وطبقته العاملة، والذي صمت بعناد دون ادعاء أجوف كما يفعل الكثيرون، وللرجال حكمتهم عندما يصمتون، ففي عينين عبد الرحمن وهو قابع في صومعته، وجدت عنفوان المحرق الجميل، وطيبة ناسه وأهله ووجهها الآخر الصامت كصمت بحرها وتاريخها، وجدت احتجاجاً تاريخياً طويلاً دون أن يكتب بتفاصيل دائمة، هذا المعتقل الصامت أمامي لا يتحدث إلا كلمات قليلة، حذرًا من القادم الجديد، وعندما تأكد من هوية هذا الشاب المرتعش بث في روحه قيمة كبرى لمواجهة الحياة، فعلمني درسًا من قوته وروحه وصمته، لحظتها فتحت أمامي صورة أخرى للكون، مثلما تفاجأ أخي في صباح ذلك اليوم بوجودي أمامه، فلم يستطع أن يقول لي بحضرة الشرطي (السنطري) إلا جملة واحدة كن رجلاً، غير انه لم يكتشف أن في صومعة ذلك البرج كان معي ألف رجل من أبناء المحرق، أبناء بلدنا الذين حملوا صليب عذاباتهم من أجل حياة أفضل، ولكنهم بقوا في الظل كبقية الرجال، فلرائحة المحرق أكثر من «ورشة أمل» لم يتم الانتهاء من تدشينها، فللشعراء الجدد والقدماء من أبنائها صوتهم التاريخي المستمر في ذاكرة المحرق. 

كان عليّ أن أبقى مع عبدالرحمن جكنم عشرة أيام، بعدها نقلت إلى زنزانة أخرى، فلم ألقه بعدها بسبب رحيلنا في داخل زمن صعب، فكان عليّ أن أبحث عنه بقوة هذه المرة، فقد شدّني الحنين إلى ذاكرتي المنهكة بالأسئلة، كان لقاء السادس عشر من أكتوبر 2007 لحظة فارقة، إذ رسمت لي لقاء عاجلاً لم يطل عند مسجد بو منارتين، فحينما هاتفني لتحديد موعد لقائنا التاريخي، سألني هل تعرف مسجد بومنارتين في المحرق، أن بيتي بجانبه ؟! فاهتز بدني للمحرق، فقد حركت المنارتين روح الانتفاضة، فعند ذلك المسجد ظلت حناجر الخطابة تعلو وتنخفض، تحيا وتموت، غير أن المحرق ورجالاتها هم تاريخها النبيل الذي لا يموت، فالمدن تبقى ساكنة وصامتة ومنسية بدون رجالاتها، فالأحجار وحدها ميتة، إن لم يكن البناءون هم رجالها الأوائل. من من جيلي لا يعرف الانتفاضة التاريخية؟ ومن بإمكانه أن يجهل المحرق إذا ما قيل له مسجد بو منارتين عند بيت سند؟ فحولك أحياء تحيط بأصواتها صوت المحرق، فهل لا نخون المحرق كما نخون أنفسنا إن أهملنا إعادة بناء ذاكرتها في حجر يروي حكايات رجال بعمق الزمن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها