النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

التحدي الأوّل للنوّاب!!

رابط مختصر
العدد 10860 الأربعاء 2 يناير 2019 الموافق 26 ربيع الآخر 1440

 لحداثة تجربتهم في ممارسة أدوارهم الوطنية من تحت قبة مجلس النواب، فإنه لمن المتوقع أن تتزايد الضغوط في الأيام القادمة على الخمسة وثلاثين نائبًا من الذين يدخلون المجلس النيابي لأول مرة، وليس مستغربًا أن تكون الطريق إلى المعالجات المتوقعة للقضايا المثارة متعرجةً وغير سالكة. فالقضايا العالقة كثيرة ويُتوقع أن يكون منها المزيد مستقبلًا؛ ذلك أن المجتمع البحريني مجتمع دائب الحركة، ديناميكي، ويفرز ضمن حركته قضاياه المختلفة والمتنوعة التي ينبغي أن توجد لها في مؤسسات الدولة الدستورية الحلول الناجعة. فتوفير مقومات العيش الكريم، بل والرفع من مستوياتها والعمل الدائم على ضمان أمن المواطن والمقيم وراحتهما، والحرص على موازنات المالية العامة، والتفكير في حق الأجيال القادمة من خيرات البلاد ومدخراتها المادية والأدبية مشاغل تقتضي عملًا مستمرًا وجهودًا جبارة لا تفتر ولا تنقطع.

 بعد أربع تجارب انتخابية سابقة على الانتخابات الأخيرة فإن نواب الشعب اليوم على بينة من أن الناخبين باتوا على وعي بمجلس النواب سلطةً تشريعية ورقابية لها وزنها في المنظومة الديمقراطية التي اختارها جلالة الملك سبيلًا لإدارة شؤون المملكة، وعلامة دالة على ما بلغه شعب البحرين من نضج وتطور، وعلى بينة من أن هؤلاء الناخبين يدركون مدى تأثير مجلسهم النيابي في معالجة الملفات الوطنية، وطبيعة دوره الحاسم في تحسين المستوى المعيشي للمواطنين إذا ما اجتهد ممثلوهم وعملوا على ذلك وسعوا إليه من دون الوقوع في فخاخ الشعبوية المقيتة والمزايدات الفجة. فئة كبيرة من الناخبين اختاروا ممثليهم في البرلمان ليجتهدوا فقط ويبذلوا أقصى ما في استطاعتهم لتحسين مستويات العيش وتمكين المواطن من تجاوز تداعيات تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية على جيبه ومعيشته اليومية. العدد الأكبر من الناخبين اختاروا نوابهم حتى يجعلوا مصلحة المواطنين والدولة شغلهم الشاغل، وإذا لم يوفِّ السادة النواب بهذه المطامح والآمال فإنهم حتما سيكونون عرضة للمحاسبة بعد أربع سنوات عندما يتوجه الناخبون مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع. تمامًا مثلما نالت هذه المحاسبة سبعة وثلاثين نائبًا في الانتخابات الأخيرة. صحيح أن أربع سنوات طويلة، لكن ذاكرة الناخب متقدة وحاضرة. وهذا حق لا ينبغي أن يتقاسمه معهم أحد.

 دعونا نكون صادقين مع أنفسنا ونقر، ويقر معنا النواب الأفاضل أنفسهم، بأن شيئًا من الارتباك كان مسيطرًا على مشهدهم في الجلستين الأولى والثانية. وشخصيًا اعتقدت أن ذلك لربما يعود إلى اعتقاد خاطئ لدى بعض السادة النواب بأن وقوف النواب في بعض القضايا المطروحة مع الحكومة يعني بالضرورة أنهم يتخذون موقفًا ضد ناخبيهم، وأن وقوفهم، في مقابل ذلك، مع المواطنين يعني أنهم ضد الحكومة. في هذا تصور خاطئ تمامًا للعمل النيابي، وصورة مشوهة لطبيعة دور النائب كرسه بعض النشطاء السياسيين الراديكاليين، ورسخوه اعتقادًا عند بعض المواطنين، وعند بعض النواب الذين كانوا بالأمس القريب من ضمن المواطنين الذين تأثروا بذلك، وثبتته وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تلتقط من مداخلات النواب إلا ما يخدم وسومًا يراد لها أن تلحق بهم، فإذا ما أريد إخراجهم في صورة الموالين المرددين لكل ما تقره الحكومة أذيع ذلك، وإذا ما أريد إخراجهم مخرج رموز التمرد والنقد اللاذع لكل ما تأتيه الحكومة نُشرت لهم المقاطع المثبتة لهذه الصورة. في اعتقادي، وبعيدًا عن تحليل صورة النائب في أثناء حضوره ممارسًا دوره في مجلس النواب، أن حداثة تجربة نوابنا الأفاضل كانت سببًا من أسباب بقاء بعضهم تحت سلطان الوسم الاجتماعي السائد حول صورة النائب، ومن ثم سببًا من أسباب ارتباك آراهم له حتمًا متجاوزين في قادم الجلسات.

 لا ينبغي أن يشكل لنا بعض ما يتداول على وسائل التواصل الاجتماعي قلقًا، ولا أن يثير لدينا الريبة مما تتخذه الدولة من إجراءات دستورية لا يرى فيها البعض إلا تضييقًا على المواطنين، مصورين أن الحكومة تأخذ جانبًا والمواطنين يتخذون جانبًا آخر في المعادلة الوطنية. فكثيرًا مما يُتداول، ولا أقول كل ما يُتداول، يأتي من مصادر معروفة غاياتها تلغيم المجتمع وإثارة القلاقل، ولن تنطلي علينا مرة أخرى الحيلة بعد الذي عانيناه على مدى السنوات الماضية.

 الحقيقة، لا أخفيكم أنني أتناول هذا الموضوع وأنا في حيرة من أمري، ولا أعرف من أين أبدأ؛ لأنني لا أود أن أبدو كمن يُلقي باللائمة على الحكومة، ولا أن أبدو في صورة المسرف فيما يتخذه من مواقف ويتبناه من آراء، على حساب الموضوعية والمنطق، في مطالبة النواب الكرام بتحقيق المعجزات فيما يتعلق بتحسين مستوى معيشة المواطنين؛ وذلك من خلال العمل مع الحكومة على تحقيق العدالة في توزيع الثروة الوطنية بحيث يُنتج لنا هذا العمل واقعًا اجتماعيًا جديدًا لا يوجد فيه فقير. وكل الذي يمكن قوله بهذا الخصوص هو أن النواب بحاجة إلى مزيد من ثقة ناخبيهم حتى يتمكنوا من استيعاب أدوارهم التشريعية والرقابية بعيدًا عن التهويشات التي يُثيرها البعض في وسائل التواصل الاجتماعي بهدف صناعة اليأس لدى المواطنين والفشل لدى الجادين من النواب في ترجمة برامجهم إلى مشاريع تنموية، فمسالك صناعة الثروة وخلقها في مملكة البحرين متوافرة ولا تنتظر إلا من يحسن استغلالها باقتناص المتاح من الفرص والاستثمار في الذكاء والاقتصاد اللامادي وتحويل البحرين إلى مجتمع تعلم ومعرفة وهمزة وصل تجارية ومالية بين مشارق الأرض ومغاربها.

 في اعتقادي، أن العمل على تحسين مستوى معيشة المواطن البحريني وتجويد بيئة عمله، بالشكل الذي يستشعره المواطن ويُلبي شيئًا من مطالبه الحياتية العاجلة ممكن، حتى لو أن ذلك يأتي متساوقًا مع سياسة التقشف التي ترفعها الحكومة لأسباب وجيهة كثيرة، ويقع في القلب منها التراجع الحاد في أسعار النفط. لكن كيف؟ صحيح أن تقرير ديوان الرقابة المالية والإدراية يكشف لنا عيوبًا من خلال بعض الاستهتار في صرف المال العام، والمطلوب من مجلس النواب ألّا يُغيب أدواته عما يتضمنه هذا التقرير السنوي من تجاوزات، كبُرت هذه التجاوزات أم صغُرت، ولكن الصحيح أيضَا أن الرقابة الدقيقة على هذا المال تتيح لنا الإمساك على وفورات مالية كبيرة يمكن إعادة توظيفها في مسارات أخرى.

 الصحفيون والكتّاب مواطنون يستمعون، بلا شك، إلى ما يهجس به المواطنون الآخرون، ويستشعرون احتياجاتهم المعيشية عندما يعبرون عن ضيقهم الاقتصادي، وضنك العيش الذي يعاني منه البعض. وإن أكبر همومهم في هذه الأيام الضرائب المستحدثة وآخرها ضريبة القيمة المضافة. ورغم إدراكنا أن الضرائب سبيل آخر للحكومة لدعم الميزانية والتزام أمام الداعمين الخليجيين لهذه الميزانية إلا أن الاستقرار الاجتماعي ينبغي أن يكون أيضًا التزامًا حكوميًا علينا التنبيه إليه. والحديث عن تأجيل ضريبة القيمة المضافة عامًا واحدًا ليس حلًا اقتصاديًا لوحده، فهو لا يعدو أن يكون «إبرة تخدير» ينتهي مفعولها بعد هذا العام؛ ذلك أن المهم في التأجيل، إن حدث، فهو مراجعة آليات تطبيق الضريبة بحسب توجيه جلالة الملك حفظه الله ورعاه. وأجزم أنها مهمة نستطيع أن نحكم من خلالها على جديّة السادة النواب الكرام في تعاملهم مع القضايا الجوهرية التي تمس المواطن.

 على السادة النواب أن يتصدوا لهذه القضية ويتبنوها كتحدٍ أول لإثبات جدية عملهم، بالتعاون مع الحكومة، للوصول إلى حل يخفف عن المواطنين قلقهم المبرر. فهل ستكون ضريبة القيمة المضافة أول المحكات ليثبت المجلس من خلالها قوته وكفاءته في استنباط الحلول؟..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها