النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

خطاب الرئيس الفرنسي

رابط مختصر
العدد 10856 السبت 29 ديسمبر 2018 الموافق 22 ربيع الآخر 1440

 بعد صمت ليس من ذهب، وآثار تساؤلات المحللين والمتابعين للانتفاضة الفرنسية الأخيرة، خرج الرئيس الفرنسي ليلقي خطابًا قصيرًا للأمة الفرنسية: (ثلاث عشرة دقيقة)، كانت كافية ليهدأ الشعب الفرنسي المعارض لسياسته الاقتصادية والاجتماعية. الخطاب حمل الكثير من الحلول اقترحها الرئيس ماكرون لعبور هذه الأزمة التي كلفت الدولة الكثير، وهبطت إثرها شعبية الرئيس الى الحضيض؛ لكنها جميعًا لم تشبع غليل المعارضين، الذين تعددت مطالبهم فشملت رفع الحد الأدنى للأجور، ورفع رواتب المتقاعدين، ودعم القدرة الشرائية.
إذن فالأزمة كما أسماها الرئيس (عميقة)، ولم يكفها تصدي رئيس الوزراء ووزير الداخلية لها. اعتقد الرئيس ماكرون أن هذه التظاهرات والاحتجاجات تشبه مثيلاتها في الغرب، تلك التي يغذيها وينفخ في نارها اليمين المتطرف، ففي فرنسا أيضا هناك يمين متطرف. في البداية اتجهت الاتهامات الى حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف الذي ترأسه مارين لوبان. وبالفعل كان اليمين المتطرف موجودًا في معترك الشانزليزيه وسط المحتجين، وربما هو الذي لجأ أعضاؤه الى العنف والتخريب والنهب وتكسير واجهات المتاجر في الشارع المترف، الأكثر شهرة في العالم، لكن كل ذلك (كما اعتقد الرئيس) لم يكن، يعني أن هناك أزمة كبيرة في فرنسا. هذا الصمت وسوء التحليل أوصل الاحتجاجات الى الذروة فتضاعف حجم المحتجين ووصل الى 136 ألفًا، مع رأي عام متعاطف، حسب الاستبيانات في الشارع، كما تعاطفت الأحزاب والنقابات بجميع أطيافها اليسارية واليمينية مع الغاضبين، بالإضافة الى الصحافة.  
وقدم مستشارو ماكرون ووزراء حكومته النصح للرئيس، للاستجابة للمتظاهرين، خصوصًا بعد أن دخلت الأزمة أسبوعها الرابع، ووصل أعداد الجرحى الى (320) جريحًا، وأعداد المحتجزين ألفا شخص. نواب الجمعية الوطنية أيضا كانوا يلحون على الرئيس لتغيير موقفه، إذن فهناك مشكلة اكتشفها ماكرون في وقت متأخر، ووصفها بالعميقة. الأحزاب اليمينية واليسارية المتشددة تتهم النخبة الحاكمة في السلطة، بالانحياز للأثرياء، وإهمال الطبقات الهشة الضعيفة والطبقة الوسطى، وكان لابد للرئيس الفرنسي أن ينحني للعاصفة، وأن يواجه المشكلة المتعددة الأطراف ويداوي الجروح المفتوحة ويحافظ على بقائه في السلطة بعد أن طلب المتظاهرون الاحتكام الى الشعب في استفتاء قد يزيح الرئيس وحكومته.
ماكرون في خطابه الأخير أصبح على يقين أنه مطالب بتغيير دفة سفينته، فهناك معاناة شديدة لدى الفئات المحدودة الدخل والطبقة الوسطى المتآكلة. وكان بين المتظاهرين والمحتجين أعداد من الشباب الذين اتبعوا وعوده الانتخابية وحملوه إلى كرسي الرئاسة. ما قدمه ماكرون من حلول قد تكون صالحة لتأخير النزيف لا لوقفه، لكنه حمل احترامًا كبيرًا للشعب، وتفهمًا لمعاناته.
كان ماكرون في خطابه يفصل بين من تظاهر وطالب واحتج، ومن اعتدى على الممتلكات العامة والخاصة. ولأن الأزمة كبيرة أعلن ماكرون (حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية) واقترح على الأمة حوارًا شاملاً موسعًا تشترك فيه كل الجهات والأطياف السياسية والاقتصادية قد يستغرق شهرين أو أكثر، للبحث عن حلول، تتوازن فيها الضرائب مع العدالة الاجتماعية المتآكلة تحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة. سعيًا وراء الهدفين قال ماكرون إنه بالإضافة الى إلغاء ضرائب الوقود سيلغي الضرائب لمن مداخيلهم أقل من 2000 يورو ابتداءً من العام القادم، كما سيلغي الضرائب عن الساعات الإضافية.  
كما وعد الفرنسيين بالاهتمام بملفات تدفق الهجرة. ويذكر أن فرنسا استقبلت هجرات كثيرة في العقود الأخيرة، وهي من الدول الأوروبية الأكثر اهتمامًا بالمهاجرين وبحقوق الإنسان وقبول الآخر. والاهتمام بملف المهاجرين في دولة مثل فرنسا، هو مؤشر كبير على تفاقم هذه المشكلة في الغرب. وفي استبيان أجري في الأيام الماضية كشف الفرنسيون عن قلقهم البالغ من الهجرة.
إلى أين تتجه هذه الأزمة التي لم تشهد مثلها فرنسا منذ فترة طويلة؟ الانقسام بدأ بين أصحاب السترات الصفراء، لكن ذلك لا يعني أن المشكلة ستنتهي عما قليل، فهناك عجز في الميزانية، والإصلاحات الاقتصادية التي أعلنها ماكرون خففت الأزمة، لكنها لم تكن حلولاً كاملة. كما أن العجز المالي - مع الإصلاحات التي اقترحها - سيكبر. الحكومة الفرنسية (لتغطية هذا العجز)، أعلنت عن نيتها لفرض ضرائب على الشركات الرقمية الكبيرة، لكن هل ترضخ هذه الشركات التجارية لهذه الضرائب؟.
وفي كل الأحوال أثبت الفرنسيون في هذه الأزمة أنهم قادرون (حكومةً وشعبًا)، على توجيه رسائل هامة الى الدول الغربية والدول النامية. فالمجتمع المدني الفرنسي الحي كان يتحرك بحيوية في مساندة المحتجين: أحزاب، نقابات، صحافة، كتّاب وفنانين، طلبة، ومفكرين. والسلطة سلكت – وإن متأخرة – مسلكًا متحضرًا فأعلن الرئيس ماكرون (حالة طوارئ)، بعد أن اكتشف أن أحوال الأمة الفرنسية المعيشية سيئة الى درجة لم يدركها في بداية الأزمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها