النسخة الورقية
العدد 11152 الإثنين 21 أكتوبر 2019 الموافق 21 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

قلـــــة تمـــر

رابط مختصر
العدد 10854 الخميس 27 ديسمبر 2018 الموافق 20 ربيع الآخر 1440

في نهاية موسم الرطب كان الجد يرحمه الله وطيب ثراه محمد بن صالح الذوادي يحرص على أن يعلمنا في بيتنا بالجسرة كيف ننشر الرطب على «الخصف» المصنوع من سعف النخيل معرضينها لأشعة الشمس حتى إذا استوى التمر «النثري» جلب لنا «القليل» لنضع فيها التمر، ونضغط عليه باليدين، وكنا نضع ثمار كل نخلة في القلة، ويتم تميزها «بنيشان» حتى لا تختلط بغيرها من أنواع التمر كالـ «خلاص» و«الخنيزي» و«والمرزبان» وغيرها. وكنا نضع التمر في المخزن في بيتنا بالجسرة بعد أن نقوم بعمل شبه مجرى لتجميع دبس التمر نتيجة الضغط الطبيعي للقليل على بعضها ونحمل بقية قليل التمر إلى بيتنا في البديع ونضعه في المخزن الخاص بقليل التمر، وبقية التمر والقليل يقوم الجد بتوزيعه على الجيران والأصدقاء ويحتفظ بالبعض ليقدمه هدايا لأهلنا في دارين بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية الشقيقة أثناء زيارته لهم.

وكان عندنا في الجسرة «حضرة» وهي تصنع من جريد النخل وتوضع في البحر لصيد السمك، وكان البحر يجود بخيراته وبطبيعة الحال يتم استهلاك بعض الخير وتجفيف البقية بعد وضع الملح عليه وتعريضه للشمس، ويتم توزيع الباقي على الجيران والأصدقاء. وإذا كان الخير أكثر فيأتي الجزاف وهو الوسيط بين الصياد والمستهلك ليباع السمك على البيوت الراغبة أو إرساله إلى سوق السمك بالمنامة.

كان هذا حال مجتمع البحرين في حقبة من التاريخ، الاعتماد على خيرات الأرض والبحر، وتعليم الأبناء والأحفاد على العمل اليدوي وتقدير خيرات الله على عباده بالإضافة إلى التكافل الاجتماعي، والتعاون بين الجيران وبر الأهل والأقارب حتى وإن لم يكونوا بحاجة ولكن السخاء والعطاء من شيمهم التي يحرصون عليها، فهي تغرس فيهم روح المودة والإيثار والتعبير عن المشاركة الوجدانية.

جمعتني منذ أسبوعين جلسة تم تنظيمها من قبل قطاع الشؤون الاجتماعية بجامعة الدول العربية مع الشباب العربي من مختلف أقطارنا العربية، ضمن فعاليات منتدى الشباب العربي للقمة التنموية الاقتصادية والاجتماعية الرابعة تحت عنوان «رؤية الشباب العربي 2030» الذي عقد خلال الفترة من 12-13/‏12/‏2018، وكان موضوع اللقاء هو دور المجتمع المدني في دعم الشباب ومشاريعهم بالإضافة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في دعم الشباب، وكان من مجريات الحديث هو التنظير العلمي والفهم الحضاري لهذا التعاون المنشود، والدور الوطني والواجب الإنساني تجاه هؤلاء الشباب.

وجرنا الحديث عن تجارب حياتية وواقعية ووجدتني من خلال الأسئلة وتعطش الشباب لمعرفة دورهم وواجبهم تجاه مجتمعهم بأن قلت لهم: «بأننا شركاء معكم في مساعدتكم على تلمس الطريق الذي من خلاله نبني أوطاننا، فبقدر مسؤوليتكم تجاه مجتمعكم حاضرًا ومستقبلًا فإننا نحن (الكبار) علينا واجب تهيئة الظروف لكم لفتح آفاق المعرفة والعلم والتجارب الحياتية وإتاحة الفرص لكم لتحمّل المسؤولية والتعاون معكم جميعًا لخلق الظروف الملائمة للإبداع والتألق وخدمة المجتمع والوطن بشكل عام»، ونقلت لهم خبرتي الشخصية والجيل الذي عشت معهم وبينهم، فنحن عندما كنا على مقاعد الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية كانت عطلة الصيف بالنسبة لنا ليست عطلة لقضاء الوقت بما لا يفيد، فقد التحقنا بعمال البناء في قريتنا وحملنا الحجر والحصى، وحفرنا الأرض وناولنا البناء (الاستاذ) «الأسمنت» و«الجص» وكان ما نتقاضاه أجر رمزي والهدف الأسمى تعويدنا على العمل اليدوي وليس كما هو العُرف الذي تقف ضده الآن المنظمات الدولية المتخصصة من «عمالة الأطفال» التي انتشرت في الكثير من البلدان، فقد كان الهدف أسمى من «تشغيل الأطفال» ولم يكن في خلد أولئك الأوائل أن نبقى «عمالة» بل كانوا ينظرون إلينا بكل الحب والتقدير ويثنون على عملنا المتقن وإذا أخطأنا رغم قسوتهم فإن هدفهم أن نتعلم من خلال أخطائنا ونسلك الطريق الصحيح.

تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال بطبيعة الحال، وكان الأجداد والآباء يتصرفون بعفوية وسليقة فطرية والهدف كان تعويدنا على حب وتقدير العمل اليدوي، وواجبنا كأولياء أمور الآن ومربّين ومخططين وتنفيذيين إداريين ومنظرين، ومجتمع مدني وقطاع خاص إتاحة الفرص للشباب للمشاركة في بناء الوطن، وأحسب أن خير وسيلة هو أن نتضامن جميعًا في إتاحة المجال للعمل التطوعي في مختلف المجالات بتوجيه مدروس ومنظم، ورحم الله أولئك الرواد الذين تبنوا العمل التطوعي وكانوا بارزين فيه رجالًا ونساءً في مجالات خدمة المجتمع والتعليم ومساعدة الآخرين.. وقد أعجبت بشباب جمهورية مصر العربية من مختلف الأعمار وهم يرفعون شعار المحافظة على مياه نهر النيل ويقومون بحملة تنظيف منذ أسبوعين شعورًا منهم بالمسؤولية الوطنية تجاه نهر النيل العظيم. والمشهد ذكرني بالحملة التي قمنا بها يومًا في البحرين بمبادرة من نادي البديع الرياضي والثقافي لتنظيف ساحل البديع الشمالي والغربي والجنوبي والشرقي بالتعاون مع البلدية، فكان شعورنا ونحن نقوم بهذا العمل شعور من يقوم بشيء عظيم.

أنا على قناعة تامة بأن شبابنا لا يقلّون عنا حماسة واستعدادًا وغيرة وطنية، ما نحتاج إليه هو أن يكون ذلك نهجًا وأسلوبًا لتحمّل المسؤولية منذ الصغر، فقديمًا قيل: «من شبّ على شئ شاب عليه».

 

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها