النسخة الورقية
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

النواب واحتفالات النصر الانتخابي

رابط مختصر
العدد 10852 الثلاثاء 25 ديسمبر 2018 الموافق 18 ربيع الآخر 1440

أمر طبيعي أن يحتفل الإنسان بفوزه أو بنصره، ويتناسب الاحتفال بهما مع فارق المقاس بين الفوز والنصر، ومن غير العدل ولا الإنصاف أن نساوي بين النصر والفوز؛ فدحر النازية نصرٌ، و طرد الاستعمار نصرٌ، ومحو غول السرطان إن صارَ نصرٌ، ويستحق النصر، ومن حق أصحابه أن يكلل بالتيجان. 

والنصر من النوادر العظيمة في المنعطفات التاريخية، أما الفوز والمفاز فهي من مخارج الأيام، وهي من الأمور المعتادة لكامل شريحة الإنسان على مدى الساعات والأيام، فمن الأولى والأجدر ومن الحصافة وحسن التأدب أن لا نزجَّ الفوز في النصر، فالتبريك لمن فاز والتعظيم لمن انتصر. 

بعد الفوز الانتخابي للأربعين مترشحاً أسدل الستار على مهرجان انتخابات 2018، وانفلت عقال الفرح والبهجة بالنصر (لا بالفوز) عند الفائزين بالأصوات، وهم يتلمظون طعم نصر مبين! فأقاموا حفلات العرس ورفعوا رايات النصر، وكأنهم قد خرجوا من أم المعارك متوَّجين بأكاليل النصر، وكأن المشهدَ مَشْهَدُ الإسكندر الأكبر المقدوني يتقدم جحافل جيشه بعد أن انتصر على كسرى الفارسي وأحرق رائعة المعمار والعمران تخت جمشيد رمز الإمبراطورية الفارسية، ودانت له كنوز الدنيا كلها وركعت تحت قدميه الأمم كلها، الإسكندر الكبير (النائب الفائز) يطل برأسه من جديد بعد أن نفض غبار الزمن عن ماضيه. 

تفاعل كثير من الناخبين الذين تحققت أصواتهم وبعض من أولئك الذين لم تتحقق أصواتهم مع هذه الأعراس التي أقامها الفائزون (المنتصرون!)، دون علم بما يجول في نفوس الفائزين، تلك النفوس التي تخطت واقع الفوز إلى وهم النصر، فأكثر المنتصرين فوزاً يشعرون بأنهم قد حققوا النصر المبين ووصلوا إلى نهاية المطاف حيث المبتغى، حيث الجاه والمكانة، ورخاء نسبي أو كلي للحالة المالية والمعيشية، بينما الناخب يشعر بأنه قد وصل إلى بداية نقطة الانطلاق، الانطلاق إلى آفاق العمل البرلماني الذي ينتظر منه الكثير من الآمال كي تتحقق من خلال جهد سعادة النواب الجدد في حوزة البرلمان.

الناخب يعيش عالم التوقعات من النائب، بينما حال النائب، وأكثر الظن أن الكثرة الغالبة منهم وليس كلهم طبعاً، قد تنفست الصعداء وانكمشت إلى ذاتها تعد العدة للتمتع بثمار الوصول إلى البرلمان، وضرورة قطع خيوط الوصل والوصال مع من أوصلوهم إلى البرلمان. بالنسبة لغالبية النواب، من المتوقع أن النائب سوف يحضر بعض جلسات البرلمان ويغيب عن بعضها، واللجان يشارك فيها وجوداً جسدياً دون حضور فكري، وعندما يشعر بعجزه أو عدم رغبته في مناقشة القضايا الحساسة، فالتذرع دون حياء بالغياب أمر يسير مباح دون مساءلة ولا محاسبة، هذا الإحساس بالغبن المسبق لم يأتِ من فراغ، فقد عاش الناخب تجارب متكررة مع البرلمانات السابقة لم تُخْرِجْ له من بئرِ البرلمانِ الماءَ الذي يروي العطش، فقد زرع سعادة النواب السابقين في نفوس الناخب وراكموا في ذاكرته الحية هذه المحاسن البغيضة!. 

رغم مشاركة البعض مع الفائزين في حفلات العرس (النصر المبين)، إلا أن شريحة كبيرة من المواطنين شعروا بالغضب والإحباط من فرط هذا التضخيم في الاحتفال، واستهجن الأمر وأطلق صرخته قائلاً: «قليلاً من الحياء يا سادة (النواب)»، وكانت هذه الصرخة هي عنوان لشبه مقال انتشر عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وهذه بعض من كلماته: «ما يقوم به النواب الفائزون في انتخابات مجلس النواب الأخيرة أمر لا يمكن السكوت عنه أو تجاوزه، فما السر في إصرار السادة النواب بإقامة حفلات ضخمة مكلفة بدعوى رد الجميل للناخبين، رد الجميل لا يكون بالرقص بالسيوف أو بالبوفيهات الضخمة من ما لذ وطاب من الأطعمة، فليس هذا الرد الذي ينتظره الناخبون ممن تم انتخابه».

 فعلاً ليس هذا ما ينتظره الناخبون من السادة النواب، كانوا يتوقعون منهم ندوات ولقاءات بعد الفوز مباشرة، لشرح ومناقشة الأمور التي تهم المواطنين وكيفية التعامل معها في البرلمان، ولكن مثلما تذكرنا تجاربنا السابقة فإن أكثر الفائزين في وادٍ ذي زرع والناخبين في وادٍ ليس فيه زرع، ويستفرد النائب بقطوف الزرع.

 ليس فيما ذكرنا فيه أي شيء من التشاؤم ولا الإحباط، ولا دعوة إلى التراجع عن الاستمرار على درب الديمقراطية البرلمانية، بل هو تعبير عن محصلة ما جرى مع البرلمان في السنين والفصول والدورات السابقة، وهو نقد موضوعي نابع من واقعية ما كان يجري، والنقد الموضوعي البناء هو الأُسُّ والأساسُ لتحسس الخلل بغية إصلاحه وتدارك الأمر، وإلا فإن حبل الهوى بما جرى سَيُتْرَكُ على الغاربِ كيفما سرى، وتتراكم الأخطاء ويتضخم الإحباط وتثور النفوس، ونعود إلى نقطة الصفر، ونصبح مثل «تيتي تيتي... تيتي... لا رحتي ولا جيتي»... 

نعم هناك إحباط من أداء النواب السابقين، رغم أن البعض منهم كان يؤذن في خرابة، ولكن نتائج الانتخابات هذا العام تحمل في طياتها بصيصاً من التفاؤل؛ فقد وصل إلى البرلمان نخبة من ذوي الكفاءات، والبعض منهم له تجارب سياسية وطنية مشرفة تشهد لهم ذاكرة الوطن. 

كلمة أخيرة لا بد منها للسادة الفائزين الذين توجوا، قسراً، فوزهم بوهم النصر، ومن حقهم علينا أن نذكرهم بأن البون بينهما أكبر مما يتصورون، وأن الناخب يرصد أداءهم وأنه يقف أمامهم بالمرصاد، و إلا ضاعت أمانة البرلمان وأضحت الديمقراطية وهماً.

فنذكر بأن الفوز غير النصر، والنصر غير الفوز، فمن الجهل والإجحاف وشيء من بلادة الفكر النظر إلى الفوز وكأنه النصر المبين؛ إذ بعد الفوز تأتي فترة العمل والإنتاج والمهمات الكبيرة التي تقتضي التفكير الفردي والتفاكر الجماعي، أما بعد الانتصار تأتي فترة الراحة والاسترخاء والاستمتاع بثمار النصر، إذ إن النصر هو نهاية المطاف... والفوز هو بداية المطاف.. 

ونكرر أيضاً بأن أصحاب الأصوات (الناخبين) يُذَكِّرُوْنَ الذين رفعتهم الأصوات (الفائزون بالنيابي) أنّه ليس نهاية المطافِ بعد الجلوس على الكراسي، ورغم هذا النداء التذكيري، إلا أن الشعب عليم بأن هناك من لا يبالي، ويقول في قرارة نفسه: «ما دامت الخرخشة جابت نتيجة، فَخَلِّ القرعة ترعى... لا رقابة ولا تشريع ولا وجع الرأس»...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها